شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

منطلقات شرعية للدعوة السلفية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وأزيد هنا فأطرح هذا السؤال: ما الموقف إذا تعارض الوصول للحكم أو البقاء فيه مع الدعوة؟

الإجابة ستجدها في سلوك بعض الدعاة مع متظاهري "30-6" حيث قام بالآتي:

1- تبني خطاب يفهم منه التكفير مع ما في التكفير من تنفير للعامة والخاصة، ومع أن الدعوة الإسلامية في بداية السبعينات قد عانت سنوات طوال حتى استطاعت أن تغسل عنها عار جماعة "شكري مصطفى"، والذي لم يوقعه في فتنة التكفير إلا شدة التعلق بالوصول إلى الحكم فلما انقلب "عبد الناصر" على الإخوان لم يتحمل "شكري مصطفى" ومَن معه تلك الصدمة وكفروه، بل كفروا المجتمع كله! مما دفع جماعة الإخوان إلى التبرؤ منه.

2- تبني خطاب فيه تلويح بالعنف، بل تشجيع جماعات تخلت عن العنف -أو بعض أفرادها على الأقل- على تبني خطاب العنف ثانية! بل والزعم أنه ما كان ثَم مراجعات مما يهدم الثقة بمن يقول ذلك.

3- محاولة وصف جميع المعارضين لحكم الإسلاميين وإن ذكروا مظالم حياتية بأنهم شيوعيون أو ملحدون أو ما شابه ذلك... بما فيه من مخالفة للقاعدة الشرعية في محاولة استخراج ما عند الناس من خير ( إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ) (هود:84) ، ومع أن المنافقين حقًا الذين خرجوا على عثمان -رضي الله عنه- مع ضعف موقفهم وتهافت مطالبهم إلا أنه -رضي الله عنه- سمع منهم ورد عليهم في جميع ما ادعوه عليه.

ورغم أن جميع هذه المسالك يمكن أن تؤخر الدعوة لسنوات، بل لعقود؛ إلا أن الاستغراق في أهمية الحكم وجعله هو بداية التغيير قد يدفع البعض إلى استعمال هذه الوسائل للحفاظ على الحكم! وهذا ما يجعلنا نؤكد على موقفنا من شرعية الوسائل.

خامسًا: هل الغاية في الشرع تبرر الوسيلة؟!

سبق أن تعرضنا لهذه المسألة في مقال: "مناقشات في الدعوة والسياسة"، فقلتُ: "مِن أشنع الأخطاء التي يقع فيها البعض، والتي يترتب عليها الكثير من المآسي في مسيرة العمل الإسلامي اعتماد قاعدة أن: الغاية تبرر الوسيلة!

ويتم التوصل إلى هذه النتيجة عبر مقدمتين كلاهما خاطئة:

الأولى: توهُّم صاحب هذه القاعدة أنه في حالة حرب!

الثانية: سوء تفسير قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الحَرْبُ خَدْعَةٌ ) (متفق عليه) .

وينبني على هاتين المقدمتين أن يعيش صاحبها في حالة خداع دائم مع نفسه ومع الغير!

والواقع أن المقدمة الأولى تحتاج من صاحبها إلى أن يعرف أن: حتى الكفار منهم المعاهد والمستأمن والذمي، ولا يطبق على أي منهم قواعد الحرب، بل تطبق قواعد السلم والموادعة؛ فكيف بمن يتصور لوجود مناوأة لدعوته أن حياته كلها حرب؟!

وأما المقدمة الثانية: فالواقع أن هذا الحديث لابد وأن يُفهم في ضوء النصوص الأخرى، وقد نبَّه شراح الحديث على ذلك .

ومنهم الحافظ ابن حجر -رحمه الله- حيث قال في (الفتح): "قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَاز خِدَاع الْكُفَّار فِي الْحَرْب كَيْفَمَا أَمْكَنَ, إِلا أَنْ يَكُون فِيهِ نَقْضُ عَهْد أَو أَمَانٍ فَلا يَجُوز. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: الْخِدَاع فِي الْحَرْب يَقَع بِالتَّعْرِيضِ وَبِالْكَمِينِ وَنَحْو ذَلِكَ".

وبهذا النقل -وبمراجعة ما تحته خط- يتبين: أن هذا الحديث ليس بالإطلاق الذي يفهمه بعضهم، وأن حتى الحرب في الإسلام تحكمها أخلاق عظيمة! ومِن عجب أن كثيرًا ممن يستدل بهذا الحديث في غير موضعه هو ممن يكثر من ذكر وفاء المسلمين بعهودهم حتى في الحرب! ولعلنا نعود إلى هذا الأمر بشيء من البسط لاحقًا -إن شاء الله-".

سادسًا: الفرق بيْن المداهنة والمداراة:

سبق أن تعرضنا لهذه المسألة في مقال: "مناقشات في الدعوة والسياسة"، فقلتُ تحت عنوان: "حزب أيديولوجي بأداء توافقي": "يستغرب الكثيرون عندما يجدون "حزب النور" يقدم حلولاً توافقية في ذات الوقت الذي يتمسك فيه بثوابته، وسبب دهشة هؤلاء أنهم لا يعرفون إلا الأنماط التي أوجدتها الحياة السياسية الغربية.

وفي الواقع: إن الإسلام الذي يأمر بالتمسك بالعقيدة هو في ذات الوقت الذي يأمر بمراعاة المصالح والمفاسد، والتماس الوسائل المؤدية لهذا ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.

ولعل واقعة بناء الكعبة وما اقترحه النبي -صلى الله عليه وسلم- لحل النزاع بين القبائل، وقد كان ذلك قبل البعثة وتأكد بعدها في عدد من المواقف من أبرز ما يدل على ذلك، حتى قال -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) (رواه البخاري) ، ثم "أبدى مرونة في التفاوض معهم ما زالت مضرب المثل في فن التفاوض!"، بل يبلغ الأمر أن يؤجل تطبيق ما يمكن أن يؤدي إلى فتنة "مع بيانه وتوضيحه"، كما في تأجيله -صلى الله عليه وسلم- لإعادة بناء الكعبة.

وقريب من هذا المعنى: التفريق بين المداهنة المحرمة المنهي عنها في قوله -تعالى-: ( وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً ) (الإسراء:74) ، وفي قوله -عز وجل-: ( وَدُّوا لَوتُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) (القلم:9) ، وبين المداراة التي استعملها النبي -صلى الله عليه وسلم- مع مَن وصفه بأنه بئس أخو العشيرة.

والفرق بيْن الأمرين:

أن المداهنة المحرمة هي: أن تتنازل عن شيء من "الدين" بلا "إكراه معتبر ولا مفسدة متحققة" من أجل مصلحة غالبًا ما تكون في "الدنيا".

وأما المداراة المباحة -والتي قد تجب بحسب الأحوال- فهي: أن تتنازل عن شيء من "الدنيا" من أجل مصلحة من "الدين" أو"الدنيا".

وإذا كان مسلك مَن يتمسك في جميع مواقفه مرفوضًا ومسلك مَن يلين في جميع مواقفه مرفوضًا أيضًا؛ فإن مما يجب أن يُرفض "بدرجة أشد" أن يبدي "البعض" مرونة حيث يجب إبداء الصلابة، ويبدي الصلابة حيث يسع الكثير من المرونة!"

سابعًا: الموقف من حرمة الدماء:

الصفحة السابقة الصفحة التالية