شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

منطلقات شرعية للدعوة السلفية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وأما نحن: "فنتيجة وضوح التنظير" لم تأخذنا عاطفة الرئيس الإسلامي الحافظ للقرآن، فقلنا: إنه تولى بنفس صلاحياته الدستورية، وإن كان هو كشخص يريد توظيفها لخدمة الإسلام مما يقتضي وفق قواعد التعاون على البر والتقوى أن نسانده ونكون عونًا له جملة وتفصيلاً ما لم يكن في الأمر مخالفة شريعة.

ومن جملة المخالفات الشرعية: "تخطيه صلاحياته الدستورية"؛ لمخالفة ذلك لقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (المائدة:1) .

ومن التناقضات التي تموج بها الساحة الآن: دفاع بعضهم عن الرئيس بأنه رئيس منتخب لمدة أربعة سنوات "وهذا يعني استنادهم إلى الدستور"، ثم تحريم المظاهرات عليه "مع أن ذات الدستور يبيحها"!

وقد يستشكل البعض موقفنا من إقرارنا بحق المتظاهرين بالتظاهر في حين أننا نهينا أتباعنا من قبل عن الدخول في مظاهرات قبل تبيُّن إلى أي طريق سوف تؤدي!

فنقول: ليس هناك تعارض بين الأمرين؛ لأننا أيضًا فيما يتعلق بمظاهرات "30-6" نهينا أتباعنا عن نزولها؛ لكونها في الأعم الأغلب لن تؤدي إلى حال أفضل من التي نحن فيها، ولكننا لا يمكن أن نصدر فتوى شرعية تخاطب المخالفين بذلك؛ لكون هذا التفافًا على العقد الذي بين جميع طوائف المجتمع، ومثل هذه الفتاوى ترسخ لتهمة أن الإسلاميين يوظفون الدين لأهدافهم السياسية؛ ناهيك عن أنه في الغالب لا يستجيب لها أحد من هؤلاء المخالفين.

ثالثًا: الموقف من المشاركة في الحكم في ظل نظم الحكم المعاصرة:

تبنتْ الدعوة موقفًا بعدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية في ظل الدساتير المعاصرة، ومِن ثَمَّ عدم المشاركة في الحكومة من باب أولى، وقد تغير هذا الموقف بعد "ثورة يناير"، وقد ظن البعض أن هذا الموقف يتضمن تغيرًا في الاجتهاد الفقهي للدعوة كمسألة حكمية، وهذا لإهمال قراءة الأسس التي تبني عليها الدعوة مواقفها، وقد لخصتْ الدعوة خلاصة اجتهادها في المسألة في أدبياتها منذ أواسط الثمانينيات، وكانت خلاصة المسألة أن المشاركة السياسية مشروعة بشرطين:

الأول: ألا تتضمن إقرارًا بباطل.

الثاني: أن يغلب على الظن رجحان مصلحة المشاركة على عدمها.

وعند فقدان الشرط الأول تعتبر المشاركة محرمة بينما توجد مساحة من الاختلاف السائغ في تقدير المصالح والمفاسد، وبتطبيق هذه الأحكام على الواقع المصري قبل "ثورة يناير" انتهت الدعوة إلى عدم المشاركة، وبتطبيقها بعد "ثورة يناير" انتهت إلى المشاركة.

رابعًا: موقع الوصول للحكم من منهج التغيير:

من الثابت في أدبيات الدعوة أن المشاركة في الحكم حتى حال القول بمشروعيتها ليس هو طريق التغيير، وإنما طريق التغيير هو قول الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) ، وهذا يعني أن إقامة المجتمع الإسلامي الذي يطبق الإسلام في كل جزئياته لن يأتي إلا بالتصفية والتربية والدعوة إلى الله، وفي ذات الوقت فإن الدعوة إلى الله تكون أيسر كلما كان نظام الحكم أقرب إلى النموذج الإسلامي، وقد طالب النبي -صلى الله عليه وسلم- مشركي قريش أن يتركوه يبلغ رسالة ربه إذ لم يؤمنوا بها، وهي مطالبة بتحسين نسبي في نظام الدولة، وفي ظل هذا تأتي المشاركة البرلمانية، وحتى عند الحصول على الأغلبية فقيود اعتياد الناس على بعض المعاصي فضلاً عن غيرها من القيود سوف تجبرك وأنت في موقع الحكم أن تنتظر جهود الدعوة والتربية "مما يعني أن جهود الدعوة والتربية هي الأساس".

وهذه النظرة تختلف عن نظرة بعض القوى الإسلامية التي ترى أن القفز على السلطة هو طريق التمكين لا غير، وبعد ما نتمكن من السلطة نشرع في تربية الناس على معاني الخير من موطن القوة.

وقد سبق أن لخصتُ هذه الحالة في مقالة "الدعوة بين: المجتمع الخاص - المجتمع العام - الدولة"، فقلتُ: "إن حركات الإصلاح لا يمكن لها أن تعيش وأن تؤتي ثمارها إلا إذا كانت محاضنها التربوية لا تمثل حاجزًا، ولكن ماذا عن الحركات الإسلامية المعاصرة؟

بلا شك إن الحركات الإسلامية المعاصرة كانت في حاجة إلى التحرك في محاضنها التربوية الخاصة لإعداد كوادرها لمواجهة الكثير من صور التغريب والانحراف إلا أن الملاحظ أنه كلما كانت هذه المحاضن أقرب إلى العمومية ساهمت في وجود روح متصالحة مع المجتمع العام، ومِن ثَمَّ حرصت الدعوة السلفية -بفضل الله- على جعل المسجد هو محضنها التربوي الأصلي دون غيره من الصور التي اعتمدتها حركات أخرى.

وفي المقابل: فإن هناك تيارات اكتسبت حالة عدائية شديدة تجاه المجتمع وانزوت في مجتمعات صغيرة سرعان ما اعتبرتها أنها هي جماعة المسلمين كما حدث في جماعة التكفير والهجرة.

وثمة جماعات أخرى لم تصرح بكفر المجتمع، وإنما نظرت إليه نظرة دونية وطبقت مفهوم استعلاء الإيمان الذي دعا إليه بعض المفكرين إلى استعلائهم هم على العصاة "أو إن شئت قل: على مَن سواهم"؛ مما أورث هؤلاء سلوكًا تكفيريًّا وإن كانوا يتفاوتون في طريقة تنظيرهم لهذا السلوك.

وثمة اتجاهات أخرى تعاملت مع المجتمع الكبير، ولكن لم تتعامل معه من نفس الباب الذي تعامل منه شيخ الإسلام ابن تيمية مثلاً، وإنما أوتوا من قِبَل استغراقهم في مفهوم أن الإسلام دين ودولة أكثر من استغراقهم في صورة المجتمع المسلم الكبير، ومِن ثَمَّ تجد أن هؤلاء تتركز أنظارهم في دائرتين: "دائرة المجتمع الصغير، ودائرة الدولة" بينما لا يمثل المجتمع الكبير في عرفهم إلا طريقًا واصلاً بين الدائرتين.

وأما النظرة الصحيحة فهي: أن تعتبر أن دائرة المجتمع الكبير هي دائرة كبيرة تضم في داخلها عددًا من الدوائر الصغيرة تمثِّل الرؤى والاتجاهات والمحاضن التربوية الصغيرة، وأن الدولة ما هي إلا قبعة على رأس هذا المجتمع.

إن الفرق بين الطرحين كبير، ولعله إذا اتفق الجميع على تلك النظرة؛ أن المجتمع الكبير يضم تحته كل المجتمعات الصغيرة وتعلوه دولة عادلة هي الأخرى راعية لكل مَن هو داخل الدائرة الكبرى بغض النظر عن الدائرة الصغرى التي خرج منها أفراد تلك الدولة، فهل نطمع أن يسعى الجميع إلى الانتقال ولو تدريجيًّا إلى هذا النموذج؟".

الصفحة السابقة الصفحة التالية