شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

واجبات على المسلم إذا ثارت الفتن (خطبة مقترحة)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة: وقوع الفتن في الأمة المسلمة:

ـ الأمة تُبتلى بشتى أنواع البلاء، ويتلخص في نوعين: بلاء من داخلها، وبلاء من خارجها، فالأول: يكون بالفرقة والخصام والأهواء. والثاني: يكون بتسلط الأعداء، وقد يصل الأمر في الأول أن يثور بعضها على بعض حتى يرفع السيف بين أبناء الأمة؛ فتزهق الأرواح، وتسيل الدماء، وتنتهك الحرمات، وتسلب الأموال، وتخرب الديار.

- الفتن واقعة لا محالة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا: الْفِتَنُ وَالزَّلازِلُ وَالْقَتْلُ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

- ويبلغ من شدة هذه الفتن أن يخرج كثير مِن المسلمين عن دينه طلبًا للدنيا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا ) (رواه مسلم) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ لأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ ) (متفق عليه) ، وسئل -صلى الله عليه وسلم- عن الهرج؟ فقال : ( الْقَتْلُ ). قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ الآنَ. قَالَ: ( إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْكُفَّارَ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ ). قَالُوا: وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ( إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ، يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِي أَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ وَلا يَدْرِي الْمَقْتُولُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ قُتِلَ ) (رواه مسلم) .

أولا: الصبر والرفق والتأني وعدم العجلة:

- أمر الله بالصبر عند الشدائد: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:153) .

- ويتأكد فضل الصبر عند الفتن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنِ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنُ، وَلَمَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) . وَاهًا: كلمة تعني التلهف أو يُعبر بها عن الإعجاب بالشيء.

- لن تندم على الرفق أبدًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ ) (رواه مسلم) .

- ذم الله العجلة حيث قرنها بالشر : قال الله -تعالى-: ( وَيَدْعُ الإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا ً) (الإسراء:11) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: ( إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ ) (رواه مسلم) .

- الكفار يجدون الاستقرار بسبب الرفق والحلم: قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنه- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ ). فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِمْ لَخِصَالاً أَرْبَعًا: ( إِنَّهُمْ لأَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ... ) (رواه مسلم) .

ثانيًا: لا تحكم على شيء إلا بعد تصوره:

يُراد من هذا عدم التسرع في الحكم إلا بعد النظر في جميع جوانب الموضوع، والحذر من الشائعات، قال الله -تعالى-: ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (الإسراء:36) .

ضوابط في الحكم على الشيء بعد تصوره:

1- معرفة حكم الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- في المسألة نفسها: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) (الأنعام:57) ، ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) (المائدة:48) .

2- ضبط الناقل وصلاحيته للنقل وصدقه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6) . "مثال: وسائل الإعلام الكاذبة".

- وإلا تحملت أوزار الناس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ) (رواه مسلم) .

ثالثا: الإنصاف والعدل في الحكم:

يراد من هذا الضابط عدم الغلو في النظر إلى الخصوم والمخالفين بتنزيل الأحكام والأوصاف في غير محلها.

- الإنصاف والعدل مع الحبيب والعدو: قال الله -تعالى-: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة:8) ، وقال: ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) (الأنعام:152) .

الصفحة التالية