شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تواصوا بالصبر

الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بيَّن الله لنا طريق الفوز والنجاح في تلك السورة البليغة التي قال عنها الشافعي -رحمه الله-: "لو لم يُنزِل الله على عباده إلا تلك السورة لكفتهم"، وهي سورة العصر: ( وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) (العصر) .

فلا تحصل النجاة التامة للعبد يوم القيامة إلا بتحصيل هذه الأمور مجتمعة من الإيمان والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والصبر والذي يشمل أنواعًا، منها -وهو الأليق بالسياق هنا-: الصبر على الأذى الذي يصيب الإنسان من الناس مع قدرته على دفع الأذى بمثله، ويزداد هذا الأمر شرفًا إذا وقع الأذى بسبب الدعوة إلى الله ثم وقع الصبر وكظم الغيظ وضبط النفس حسبة لله -عز وجل-.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان أنواع الصبر، مع ذكر شرف الصبر على أذى الناس:

"الصبر ثلاثة أقسام: صبر على الطاعة حتى يفعلَها، فإن العبد لا يكاد يفعل المأمور به إلا بعد صبرٍ ومصابرة، ومجاهدة لعدوه الظاهر والباطن، فبحسب هذا الصبر يكون أداؤه للمأمورات وفعله للمستحبات.

النوع الثاني: صبر عن المنهي حتى لا يفعلَه، فإن النفس ودواعيها وتزيين الشيطان وقرناء السوء تأمره بالمعصية وتجرئه عليها، فبحسب قوة الصبر يكون تركه لها، قال بعض السلف: أعمالُ البِرِّ يفعلها البَرُّ والفاجر، ولا يَقدِرُ على ترك المعاصي إلا صدِّيق.

النوع الثالث: الصبر على ما يُصيبه بغير اختيارِه من المصائب، وهي نوعان: نوع لا اختيار للخَلقِ فيه، كالأمراضِ وغيرِها من المصائب السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها؛ لأن العبد يشهد فيها قضاء الله وقدره، وأنه لا مدخل للناس فيها، فيصبر إما اضطرارًا وإما اختيارًا، فإن فتح الله على قلبه باب الفكرة في فوائدِها وما في حَشوِها من النِّعَم والألطاف، انتقل من الصبر عليها إلى الشكر لها والرضا بها، فانقلبت حينئذٍ في حقه نعمةً، فلا يزالُ هِجيْرَا قلبه ولسانِه فيها: رب أَعِني على ذكرِك وشكرك وحسنِ عبادتك، وهذا يقوى ويضعف بحسب قوة محبة العبد لله وضعفِها... ولهذا قال الله -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) ، فالصبر واليقين يُنال بهما الإمامة في الدين.

فإذا انضاف إلى هذا الصبرِ قوة اليقين والإيمان تَرقـَّى العبدُ في درجات السعادة بفضل الله -تعالى-، و( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الحديد:21) ؛ ولهذا قال الله -تعالى-: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (فصلت:34-35) ".

وكما هو الحال في أزمنة الغربة، غالبًا ما يحتل الصبر مكانًا بارزًا في التكوين السلوكي والأخلاقي لمن يقوم بدور الدعوة إلى الله -تعالى-؛ لا سيما مع إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الأيام التي وصفها بأنها أيام الصبر، وشبه القابض على دينه فيها كالقابض على الجمر، ورغم ما نحفظه جميعًا من سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي وُضع سلا الجزور على عنقه، وشجت رأسه، وأدمى سفهاء ثقيف قدميه، وما نحفظه مما لاقاه الصحابة -رضي الله عنهم- كبلال وصهيب وعمار، وغيرهم... إلا أننا استغرقنا في واقعنا الذي كان البلاء بهذا النوع من الأذى يقع من بعض الأجهزة الأمنية وفي مقارها بينما كان هذا يقابل بتعاطف ومحبة يلقيها الله في قلوب عموم الخلق، وبالتالي فصار صبرنا قليلاً في مواجهة الأذى العام متى وجد.

وفي هذه الآونة تقوم بعض التيارات الإسلامية باستفزاز الناس والتعالي عليهم ومحاولة تقريرهم رغما عنهم بإنجازات لا يرونها، والتلويح لهم بخطاب التكفير والعنف! وهذا يولد استفزازًا عظيمًا داخل طوائف كثيرة من الشعب، ونتيجة السمت الإسلامي للإخوة السلفيين فغالبًا ما لا يجد الناس إلا السلفيين للتنفيس عن هذا الكبت بداخلهم، وإن كان معظمهم يعرف الفرق بين الاتجاهات الإسلامية.

وفي هذا الصدد يجب علينا أن نتحمل هذه الموجة، وأن نتعامل معها بذكاء وحكمة، وأن نكظم غيظنا ونضبط ردود فعلنا، ونتواصى بالصبر حتى لا نخسر جهود دعوتنا، وقد يرى البعض أن في هذا ضعف وهذا غير صحيح، بل العكس هو الصحيح.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الأمور التي تعين العبد على هذا النوع من الصبر: "الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثَه ذلك ذُلاً يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزَّه الله -تعالى-، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول: ( وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا ) (رواه مسلم) ، فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عِزٌّ في الظاهر، وهو يُورِث في الباطن ذُلاً، والعفو ذُلٌّ في الباطن، وهو يورث العزَّ باطنًا وظاهرًا". ويقول -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ ) (متفق عليه) .

ويجب أن تعلم أن هناك فرقًا عظيمًا بين ضبط النفس وبين الذل؛ فضبط النفس هو: تحمل الأذى في سبيل الله، من أجل الله ومن أجل دعوته.

ضبط النفس هو: تحمل الأذى والنظر في مآلات الأمور.

ضبط النفس هو: مراعاة قواعد المصالح والمفاسد.

أما الذل فهو: تحمل الأذى والإهانة من أجل مصلحة النفس، فكثير من الناس يتحمل الأذى والإهانة من أجل مصلحة نفسه؛ يخشى على وظيفته أو يخشى أن يسجن أو يخشى من أي أذى شخصي؛ وهذا هو الذل، وهؤلاء هم الذين يتربون على الذل، أما أن نتحمل في سبيل الله، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- قد وُضع السَّلى على رأسه الكريمة فما حركه وصبر -صلى الله عليه وسلم-، بل شجوا رأسه وصبر -صلى الله عليه وسلم-! فيجب أن نفرِّق بين ضبط النفس وبين الذل حتى لا يقع وهم، أو يتصور أحد أن هناك خلطًا بين الأمرين.

الصفحة التالية