شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تواصوا بالصبر

الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة

الأسباب المعينة على الحلم والصبر وضبط النفس:

أولاً: طلب الثواب من عند الله، وقد وردت نصوص في فضل كثير من الأخلاق المتقاربة؛ كلها تدور حول هذه المعاني، منها:

1- الرحمة بالمخطئ والشفقة عليه، واللين معه والرفق به، فإن الناس يجتمعون على الرفق واللين ولا يجتمعون على الشدة والعنف؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- قال: ( وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) (آل عمران:159) .

2- سعة الصدر وحسن الثقة مما يحمل الإنسان على العفو كما قال -سبحانه-: ( ولِمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأمُورِ ) (الشورى:43) .

3- كظم الغيظ، ووردت فيه نصوص كثيرة.

4- ضبط النفس وهو بمعنى كظم الغيظ؛ ولذلك أثنى الله -جل وعلا- على الكاظمين الغيظ، فقال -جلَّ من قائل-: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:133-134) .

فالمتقون من صفاتهم أنهم يكظمون الغيظ، وكظم الغيظ هو أحد معاني ضبط النفس، والجزاء جنة عرضها السماوات والأرض، ولو لم يأتنا إلا هذه الآية لكفانا بها -والله- فضلاً وشرفًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ جُرْعَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَهَا عَبْدٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ لَو شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجَاءً ) (أخرجه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني) .

ثانيًا: معرفة مآلات الأمور:

إن أعظم الأسباب التي تمنع من التصرفات الخاطئة معرفة عواقب الأمور، وإتقان قاعدة المصالح والمفاسد، والله -جلَّ وعلا- يقول للصحابة: ( ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الأنعام:108) ، أي إذا كان سب الأصنام سيؤدي إلى سب الله -جلَّ وعلا- فلا تسبوا الأصنام، وهذه قضية نغفل عنها.

ثالثًا: معرفة أن الصبر أكثر دفعًا للأذى من الرد بالمثل:

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الأسباب المعينة على الصبر على الأذى عشرين سببًا، منها: "الرابع عشر: أن صَبْرَه على من آذاه واحتمالَه له يوجب رجوعَ خَصْمِه عن ظلمه، وندامته واعتذاره، ولوم الناسِ له، فيعود بعد إيذائه له مستحييًا منه نادمًا على ما فعلَه، بل يصير مواليًا له، وهذا معنى قوله -تعالى-: ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (فصلت:35) .

الخامس عشر: ربما كان انتقامُه ومقابلتُه سببًا لزيادة شرِّ خصمِه، وقوة نفسه، وفكرته في أنواع الأذى التي يوصلها إليه، كما هو المشاهَد، فإذا صبر وعفا أَمِنَ من هذا الضرر، والعاقل لا يختار أعظم الضررين بدفع أدناهما، وكم قد جلب الانتقام والمقابلة من شرٍّ عجز صاحبه عن دفعه، وكم قد ذهبتْ نفوس ورِئاسات وأموال لو عفا المظلوم لبقيت عليه.

السادس عشر: أن من اعتاد الانتقام ولم يصبِر لابد أن يقع في الظلم، فإن النفس لا تَقتصر على قدرِ العدل الواجب لها، لا علمًا ولا إرادة، وربما عجزت عن الاقتصار على قدرِ الحق، فإن الغضب يخرج بصاحبه إلى حد لا يعقل ما يقول ويفعل، فبينما هو مظلوم ينتظر النصر والعز، إذ انقلب ظالمًا ينتظر المقت والعقوبةَ.

السابع عشر: أن هذه المظلمة التي ظلمها هي سبب إما لتكفيرِ سيئته، أو رفْعِ درجته، فإذا انتقم ولم يصبِر لم تكن مكفرة لسيئته ولا رافعة لدرجته.

الثامن عشر: أن عفه عفوه وصبره من أكبر الجند له على خصمه، فإن من صبر وعفا كان صبره وعفوه موجِبًا لذل عدوه وخوفه وخشيته منه ومن الناس، فإن الناس لا يسكتون عن خصمه، وإن سَكت هو، فإذا انتقم زال ذلك كله؛ ولهذا تجد كثيرًا من الناس إذا شَتَم غيره أو آذاه يحب أن يستوفي منه، فإذا قابله استراح وألقَى عنه ثقلاً كان يجده.

التاسع عشر: أنه إذا عفا عن خصمه استشعرتْ نفس خصمه أنه فوقَه، وأنه قد ربِح عليه، فلا يزال يرى نفسَه دونَه، وكفى بهذا فضلاً وشرفًا للعفو.

العشرون: أنه إذا عفا وصفح كانت هذه حسنةً، فتولد له حسنةً أخرى، وتلك الأخرى تولد له أخرى، وهلم جرًّا، فلا تزال حسناته في مزيد، فإن من ثواب الحسنة الحسنة، كما أن من عقاب السيئةِ السيئة بعدها، وربما كان هذا سببًا لنجاته وسعادته الأبدية، فإذا انتقم وانتصر زال ذلك".

رابعًا: التأمل في قصص الحلم والصبر والعفو وتحمل الأذى، ومن أمثلتها:

قصة أصحاب القرية التي وردت في سورة ياسين: فقد أرسل الله -جلَّ وعلا- لقرية رسولين، ثم عزز بثالث، فقالوا: ( إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ) (يس:14) ، ودامت القصة بين أهل القرية وبين الرسل، وفي آخر المطاف قال أهل القرية: ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (يس:18) ، وهذه نهاية القصة، فجاء رجل مؤمن... ولننظر كيف يتم ضبط الأعصاب، وكيف يكون التصرف في المواقف الحاسمة! قال الله -تعالى-: ( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى ) (يس:20) ، فماذا سيفعل هذا الرجل؟! أهل القرية مشركون بالله ويستهزئون بالرسل، يعلنون أنهم سيعذبونهم وسيقتلونهم، ويأتي الرجل يسعى، فما هو موقفه وماذا سيفعل؟ ( قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) (يس:20) .

أرأينا ضبط الأعصاب؟!

أرأينا الأسلوب؟!

أرأينا كيف يكون التصرف في مواقف الشدة؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية