تواصوا بالصبر
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مع الدعاة
( قَالَ يَا قَوْمِ... ) بأحب الألفاظ إليهم، وكان المتوقع بحدود فهمنا القاصر أنه ما دام هؤلاء يهددون الرسل ويؤذونهم، ويريدون أن يقتلوهم أن يأتي هذا ويلتحم بمعركة مع هؤلاء المشركين، لا، بل يقول بأحب الألفاظ إليهم: ( يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (يس:20-22) .
فهل سنواجِه منكرًا أعظم من هذا؟!
أي منكر رأيناه لن يكون أعظم من منكر أهل القرية؛ لأن أهل القرية مشركون، هددوا الرسل وكفروا بالله واستهزئوا به، ومع ذلك يأتي هذا الرجل ويقول هذه الكلمات الهادئة، العاقلة، المطمئنة، ويثني الله -جلَّ وعلا- عليه في نهاية القصة: ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ) (يس:26) .
فإذا رأينا منكرًا فلا أقول: لا نغيره، ولكن ضبط الأعصاب مطلب شرعي لابد منه؛ لنعرف كيف نتصرف، فالله الله في الحلم وتدريب النفس على ذلك، الحلم الحلم، وإنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، وقدوتنا في ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأمثلة في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي قصص الصحابة -رضي الله عنهم- لا تُحصى كثرة.
وسائل ضبط النفس:
1- الحرص على إفشاء السلام والبسمة في وجوه المسلمين.
2- ضبط اللسان: يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ، ولما قال له معاذ -رضي الله عنه-: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: ( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟! ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .
3- دفع السيئة بالحسنة: يقول -تعالى-: ( وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (فصلت:34-36) .
ويقول -صلى الله عليه وسلم-: ( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) .
4- الإعراض عن الجاهلين: وهذا مما يساعد على ضبط النفس، يقول -جلَّ وعلا-: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (الأعراف:199) ، ويقول: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) (الفرقان:63) ، ويقول: ( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ) (الفرقان:72) .
كان الأحنف بن قيس -رحمه الله- يسير يومًا إلى منزله، ووراءه رجل يتبعه منذ مسافة يسبُّه ويشتمه، فلما قرب الأحنف من بيته، وقف وقال لهذا الرجل: "يا أخي، أعْطِني ما بقي عندك -أي أكمل السب والشتم- فاستغرب الرجل وقال: لماذا؟! قال: أخشى أن يراك سفهاء قومنا فيؤذونك، وأنا لا أريد أن يؤذوك!"، فأطَق الرجل حياءً وانصرف.
5- الالتزام بما ورد في الشرع لإذهاب الغضب، ومن ذلك:
أ- الاستعاذة بالله من الشيطان: فعن سليمان بن سرد قال: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَجُلاَنِ يَسْتَبَّانِ، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ، وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذا غَضِبَ الرَّجُلُ فقالَ أعُوذُ بِاللَّه سَكَنَ غَضَبُهُ ) (رواه ابن عدي في الكامل، وصححه الألباني) . إذن التعوذ من الشيطان وسيلة مهمة من وسائل ضبط النفس.
ب?- السكوت: إذا غضبت فإياك والكلمة، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذا غَضِبَ أحدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
ت- السكون وتغيير الحالة التي هو عليها: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلا فَلْيَضْطَجِعْ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
ث- التفكر في مضار الغضب وأنه يجمع الشر كله: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي؟ قَالَ: ( لا تَغْضَبْ )، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا قَالَ، فَإِذَا الْغَضَبُ يَجْمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ. (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
وفيما يتعلق بموضوعنا، فإظهار موافقة الناس فيما يقولونه من حق والتلطف في رد ما يدعونه من خطأ ومعرفة فقه حديث: ( إِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالاً ) (متفق عليه) ، وأن الناس مصدومون وموجوعون... كل هذا من شأنه أن يزيل هذه الاحتقانات.
نسأل الله أن يسلمنا من كل شر، ويحفظ بلادنا وبلاد المسلمين.