وقفات بعد أحداث "30-6-2013م"
رجب صابر • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد هبت العاصفة الشديدة بعد أحداث "30-6-2013م"، واختلفت الرؤى: أين نحن؟ وكيف نسير؟ وماذا سيقابلنا؟
وهل أصبنا أم أخطأنا؟
وفي هذه الغمرات أود أن أذكِّر نفسي وإخوتي بهذه الأمور:
أولاً: كل شيء بقضاء وقدر:
قال الله -تعالى-: ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (التوبة:51) ، قال ابن كثير -رحمه الله- في "التفسير": "( قُلْ ) أي: لهم. ( لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ) أي: نحن تحت مشيئة الله وقدره. ( هُوَ مَوْلانَا ) أي: سيدنا وملجؤنا. ( وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) أي: ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل".
وفي الحديث: ( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) . فطب نفسًا وقرَّ عينًا، فلن يكون إلا ما أراده الله، وهذا دينه وهو ناصره -سبحانه وتعالى-.
ثانيًا: تقول العرب: "بادر الفرصة قبل أن تعود غصة":
منذ قامتْ ثورة "25 يناير" ونحن في فرصة عظيمة ينبغي أن نستثمرها، وقد ظهر بعد هذه الأحداث الأخيرة كم كان تقصيرنا! نعم لقد انفتحت لنا أبواب دعوية كثيرة، وصار بإمكاننا فعل ما لم نكن نفعله في الدعوة إلى الله مما كنا ممنوعين منه من نحو خطبة أو موعظة أو جلوس في مسجد أو اختلاط بين الناس ودعوتهم، لكن هل شكرنا النعمة على الوجه اللائق؟!
أتدري ما أركان الشكر؟
يقول ابن القيم -رحمه الله- في "الوابل الصيب": "الشكر، وهو مبني على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة وليها ومسديها ومعطيها، فإذا فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها".
لقد استجاب عدد كبير لفكرة الإطاحة بالرئيس المنتخب ومَن معه، وتحملنا نحن تبعة ذلك أيضًا، وما حالات الفرح والسرور التي كثرتْ في شوارعنا بعد الإطاحة به بقليلة؛ مما يدل على أن قطاعًا كبيرًا لم تصله كلمتنا بوضوح، ولم تمتد إليه دعوتنا بقوة، وشوَّه الإعلام صورة دعوتنا ولم نذهب للناس لدعوتهم، وتصحيح المفاهيم لديهم.
ومع ذلك... فهل ندرك الفرصة التي ما زالت قائمة؟!
هل سننشغل أكثر بالدعوة بدلاً من اختلافاتنا ونظرنا إلى حظوظ أنفسنا؟!
لو تأملتَ في الآيات التي نزلت في شأن غزوة أحد: ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:152) ، لقد كثرت فينا النزاعات والاختلافات التي نحتاج إلى أن نعالجها بفقه الخلاف وأدبه، والتمسك بالحق وأدلته وهذا متعلق بقوله -تعالى-: ( وَتَنَازَعْتُمْ )، وكثرت معاصينا ومعاصي المجتمع حولنا وهذا من قبيل ( وَعَصَيْتُمْ )، وكثر فينا البحث عن الأنا والصدارة وحب الظهور والتطلع إلى المناصب -ولا أبرئ نفسي- ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ).
فهل نعي الدرس جيدًا، وندرك ما بقي من الفرصة ونصلح من أنفسنا ونجتهد في الدعوة، لقد صرنا في بعض اجتماعاتنا الدعوية كأنما يكلم بعضنا بعضًا -إلا من رحم ربي- ولم ينضم إلى صفوف الملتزمين جديد من المدعوين إلا القليل!
بادر إذا حاجة في وقتها عرضت فــلـلحــوائـج أوقــات وسـاعـات?
إن أمكـنـت فـرصة فـانهـض لها عجـلاً ولا تؤخر فللتأخير آفـات
ثالثًا: اعرف قدر هذه الدعوة:
أخرج أبو نعيم الحافظ عن الشافعي -رحمه الله- أنه قال: "قال لي محمد بن الحسن -تلميذ أبي حنيفة-: صاحبنا أعلم أم صاحبكم؟ قلت: تريد المكابرة أم الإنصاف؟ قال: بل الإنصاف. فقلت له: فما الحجة عندكم؟ قال الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. قال: قلت: أنشدك الله صاحبنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟ فقال: إذا أنشدتني بالله فصاحبكم. قلت: فصاحبنا أعلم بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم. قلت: فصاحبكم أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله أم صاحبكم؟ قال: صاحبكم. قلت: فبقي شيء غير القياس. قال: لا. قلت: فنحن ندعي القياس أكثر مما تدعونه، وإنما يقاس على الأصول فيعرف القياس. قال: ويريد بصاحبكم مالكًا" (المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران) .
أخي: قل لمن يناقشك في موقف الدعوة والحزب من الأحداث: أنت أعلم بالكتاب أم هم؟! أنت أعلم بالسنة أم هم؟! أنت أعلم بالإجماع والخلاف أم هم؟! فهل بقي غير معرفة الواقع وتحديد الموقف السياسي؟ أوَليس الذي يفهم الواقع ويحدد الموقف السياسي في ضوء معرفة أكثر بالأدلة الشرعية والتجارب الدعوية والمواقف السابقة يكون أقرب إلى الصواب؟!
وعلى كلٍ، فهذه مسائل اجتهادية فإن قلد أحدٌ غير مشايخنا فلا يسفه اجتهادهم، وعسى أن تظهر الأيام صحة موقفهم كما ظهر في موقف كثيرة سابقة، وارجع إلى تاريخ الدعوة تعرف مواقفها.
رابعًا: الصبر على كلام الناس:
نحتاج إلى الصبر على كلام الناس في حقنا وتحمل أذاهم والإحسان إليهم ليُذهب إحسانُنا ما في قلوبهم، ( وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) (الحجر:85) ، وإن الإحسان سهم تملك به القلوب، وله تأثير عجيب صوره الشاعر بقوله:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فـطـالما استعـبد الإنسان إحسـان
بل الإحسان سبب لمحبة الله -عز وجل- كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَحَبُّ النَّاسِ إلى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) ، والله -عز وجل- يقول: ( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (البقرة:195) .
خامسًا: أين نحن من الدعاء؟!