لـعـبـة رمـضـان
إيهاب الشريف • أطفالنا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي زحمة الروتين والانشغال عن فهم وتعلم الدين قد تغيب بعض المعاني التربوية عن الكثيرين، وتتحول إلى عادات في كثير من الأحايين، ومِن ذلك ما أعنيه بـ"لعبة رمضان"، ففي هذه الأيام تنتشر فوانيس رمضان في الأسواق، ونحن نعلم مدى تعلق الأطفال بها -لستُ أعني الفوانيس بعينها، بل كل لعبة مباحة تصلح لهذا الغرض، مع الانتباه لخلوها مِن المخالفات الشرعية: كالموسيقى-... فهل لها أصل شرعي؟ وهل من الممكن توظيفها تربويًّا؟
لعل حديث الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ -رضي الله عنها- يصلح ليكون أصلاًَ لذلك، تقول -رضي الله عنها-: "أَرْسَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: ( مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ ). قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ" (متفق عليه) ، وفي لفظ: "فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمْ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ" (رواه مسلم) .
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- معلِّقًا: "وفي الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام؛ لأن مَن كان في مثل السن التي ذكر في الحديث فهو غير مكلف، وإنما صنع لهم ذلك للتمرين".
وبداية لابد أن نعلم أن الصيام ليس بواجب على الصبيان -من دون البلوغ-، ولكن يستحب تمرينهم عليه إذا أطاقوه ليعتادوه، وقاسه العلماء على الصلاة فيؤمر به الصبي المطيق لسبع، ويضرب عليه لعشر، وكلاهما عبادة بدنية، ولكن لأن الصوم أشق اعتبرت فيه الإطاقة.
يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "صيام الصبي ليس بواجب عليه، ولكن على ولي أمره أن يأمره به ليعتاده، وهو في حقه سنة وله أجر الصوم، وليس عليه وزر إذا تركه".
ونلحظ في حديث الرُّبَيِّعِ -رضي الله عنها- شيئًا من فقه الصحابة ومعرفتهم بطرائق التربية: فهم يرغِّبون الأبناء في الصيام بأخذهم معهم أولاً؛ ليكون لهم نوع من التلهي عن الطعام، فإذا تذكره الصبي وبكى كانت ثَمَّ وسيلة أخرى، وهي: "لعبة رمضان"؛ تلك اللعبة التي كانوا يصنعونها من الصوف، ثُم لا يعطونها له ابتداءً، بل عندما يبكي على الطعام أو يسأل الطعام.
تقول: "حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ"! إنها قمة الرحمة وحسن التربية للصبيان؛ إذ يحببهم ذلك في العبادة ويعودهم إياها، فينشئون على التعلق بها والمداومة عليها، فيكون ذلك وقاية لهم مِن النار، يحققون بذلك قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) (التحريم:6) ، قال علي -رضي الله عنه-: "علموهم وأدبوهم".
فليس كما يظن البعض أن الرحمة في منع الصبيان الصيام شفقة عليهم ولما يُدرَّبون على الصيام، وحينها ينشأ الفتيان على التهاون بالطاعات، ينشأ الفتيان على دنو الهمة، على داء الاستسهال وضعف الإرادة والعزيمة.
إن البعض ربما رأى بكاء الصبي فسارع إلى تفطيره، وهذه ليست طريقة الصحابة، بل يبكي الصبي الطعام فتكون اللعبة وسيلة الإلهاء والإشغال حتى يتم الصيام إن استطاع، ومن البديهي أن نقول إن ضابط ذلك عدم المشقة ولحوق الضرر بهم، فإن كان فحينها لا يُلزمون به.
يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "ولكن إذا كان يشق عليهم أو يضرهم فإنهم لا يلزمون بذلك، وإني أنبِّه هنا على مسألة يفعلها بعض الآباء أو الأمهات، وهي: منع صبيانهم من الصيام على خلاف ما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يفعلون، يدَّعون أنهم يمنعون هؤلاء الصبيان رحمة بهم وإشفاقًا عليهم! والحقيقة أن رحمة الصبيان أمرهم بشرائع الإسلام وتعويدهم عليها وتأليفهم لها، فإن هذا بلا شك من حسن التربية وتمام الرعاية" اهـ .
إن مدرسة رمضان مدرسة تربوية، وفرصة عظيمة وفريدة لتعويد الأبناء على أداء الصيام خاصة، وتعاليم الإسلام عامة: كالصلاة، وقراءة القرآن، وحسن الخلق، واحترام الوقت، والنظام.. وكلها لها ارتباط ظاهر بالصيام وبرمضان، فالفرصة مواتية لغرسها في نفوس وقلوب الأبناء؛ سيما والنفوس مقبلة على الطاعة محبة لها، فلعل "قصة قبل النوم" تكون هذه الأيام أهم وأولى من غيرها، مع وضع جدول وبرنامج لغرس هذه القيم وغيرها... ولأن حديثنا يتركز على الصيام فلن نتوسع فيما سواه، فنقول:
الصوم عبادة روحية جسدية يستفيد الطفل منها الكثير مِن الفوائد، منها:
1- يتعلم منه الإخلاص لله -تعالى-، ويتدرب على مراقبته في السر والعلن.
2- بالصوم تقوى عزيمة الطفل وإرادته بحيث يتحكم في نفسه فيبعدها عما يضرها؛ إذ أنه يمتنع عن الطعام والشراب طواعية وبغير رقيب.
3- بالصيام يتخلص الطفل مِن الأنانية والأثرة، ويتعود الصبر والإيثار.
4- بالصيام تتضح معاني أمة الجسد الواحد إذ معًا نصوم، ومعًا نُعيِّد إلا ما كان في اختلاف في الرؤية، لكن الأمة إجمالاً تجتمع على طاعة واحدة في وقت واحد كل عام.
5- بالصيام يترقى شعور الأطفال فيشعرون بألم الجوع والعطش الذي يشعر به أطفال المسلمين في كثير مِن بقاع الدنيا: كـ"بورما"، وغيرها... (فليستغل الآباء هذه المناسبة لبيان نعم الله علينا في تيسير الطعام والشراب، وأهمية التكافل فيما بيننا ولو بجمع اليسير من المصروف اليومي؛ لإيصاله لإخوانه هناك).
6- يتعود الطفل احترام الوقت وحب النظام ودقة المواعيد، فالفطر له وقت محدد، وكذا الإمساك.
7- يتعلم أحكام وآداب الصيام وسننه بطريقة عملية، وهي أفضل طرق التعليم.
8- يغرس الصيام في نفس الطفل معالم منهج الثواب والعقاب فهو يعلم أنه إذا صام يثاب؛ لأنه أطاع الله، وإن كنا لا نصرح له بالعقوبة طالما لم يكن من أهلها، بل نركز على الإثابة، أما مع الكبير فنجمع بينهما.