شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عتاب هادئ للإخوة المخالفين في الداخل والخارج

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فرغم أن الهدوء في هذه الأيام في غاية الصعوبة وسط جو مشحون بالأحداث الهائلة والفتن المتراكبة، والتهم المتناثرة التي بدأت بالخيانة والعمالة ووصلت إلى النفاق والكفر والردة!

ورغم أنه لم تتعرض دعوة ودعاتها ولا حزب ورجاله لمثل ما تعرضت له "الدعوة السلفية" و"حزب النور" من حملة تشويه هائلة تهدف إلى هدم كيانها من قواعده بسبب الاختلاف في مواقف سياسية؛ رغم التعاهد الصريح قبل تأييد حملة د."مرسي" في الإعادة على عدم محاولة هدم الكيانات الإسلامية -وكان ذلك بمكتب الإرشاد-، ورغم نزيف الدماء المؤلم لكل مسلم في كل مكان ونزيف الرصيد الدعوي للعمل الإسلامي وسط الناس الذين هم رجاء التغيير المنشود، رغم كل ذلك... إلا أنه لابد من الهدوء في المناقشة مع "إخواننا" الذين خالفونا واتهمونا، بعيدًا عن التشنج والتعصب والاستبداد بالرأي - في داخل مصر وخارجها، بل وفي داخل الدعوة والحزب وخارجهما لعلنا نستبصر مواقع أقدامنا وخطوات المستقبل في وسط هذه الفتنة المظلمة.

دعونا نسترجع معًا بعض المواقف التي كنا نتخذها من عهد قريب -أو بعضنا على الأقل- ولم تكن وقتها مقتضية عند المخالفين اليوم لكفر أو نفاق أو خيانة، بل ربما كانت نصحًا للأمة وسعيًا لمصلحتها، وما احتمل ذلك لا يصلح بحال أن يتحول من نصح وصلاح إلى ردة ونفاق وخيانة! فإن الكفر والنفاق أعمال وأقوال معلومة بنصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك الولاء والبراء.

دعوا عنكم أمر النيات إلى مَن يعلم السر وأخفى فإن اتهام النيات جرأة على الله رد عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسألة احتفت بها قرائن تكاد تصل للقطع عند الناظرين بقوله: ( أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ ) (متفق عليه) ، ونحن لا نجزم لأنفسنا بالإخلاص فمن ظن في عمله إخلاص فهو يحتاج إلى إخلاص، و( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة:27) ، وإنما نقول: "اللهم إن كنتَ تعلم أنَّا فعلنا ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه".

أول هذه المواقف التي أذكِّر نفسي وإخواني بها: ما كنا اتفقنا فيه مع الإخوان في أول الثورة أن المرحلة لا تحتمل أن يتقدم الإسلاميون بمرشح لهم من الرئاسة؛ لأن احتمالات السقوط أكبر للانهيار الذي تركت فيه البلاد والتجريف للكفاءات الذي تم في العهد البائد، وأتذكر أن أحد الأساتذة الأفاضل من جماعة الإخوان هو أ."محمد حسين" قال لي: "لن نرشح رئيسًا لمدة دورتين على الأقل -وقت أن كانت الدورة 6 سنوات أي 12 سنة- ولن نرشح رئيسًا للحكومة لمدة دورة على الأقل -5 سنوات-" ومعلوم أن مقتضى ذلك أن يكون الرئيس الذي نختاره إما ليبراليًّا أو من المدرسة القومية، فهل كان هذا الرأي خيانة للأمة؟! ألم تظل جماعة الإخوان على موقفها حتى قررت بأغلبية ضئيلة "56 : 53" تقديم مرشح للرئاسة مع أننا أرسلنا لهم عدة رسائل بالنصيحة بعدم تقديم مرشح وهو الموقف الذي التزمت به الدعوة طيلة هذه المرحلة -وما زالت-؟!

هل كان مَن صوتوا بالرفض خائنين للأمة فضلاً عن خيانة الله والرسول؟!

أتذكر موقف أحد شيوخ السلفية الفضلاء وهو الشيخ "عبد الرحمن عبد الخالق" -حفظه الله- وقد زرته في بيته ببنها أول نزوله مصر، وقال لي: "إن الوضع لا يحتمل رئيسًا إسلاميًّا وإنما نحتاج رجلاً مصليًا متدينًا في الجملة لا يحارب الإسلام"، وعندما كلمته عن أحد المرشحين الإسلاميين وبعض عباراته -التي سمعتها بنفسي- نحو: "لا مانع من الدفع بالبلاد في المسار السوري والليبي إذا لم يستجب العسكر لمطالبنا!"، و"إن حل مشكلة إسرائيل بكل بساطة أن نرسل 4000 شابًا يصيفون على خليج العقبة ويغلقون مضيق تيران، وبذلك تكون إسرائيل قد انتهتْ!"، "وإن مشكلة الغذاء عندنا أو حتى احتمالات الحصار الاقتصادي تُحل بتحقيق الاكتفاء الذاتي بزرع 100 ألف فدان قمح في سيناء على ماء المطر!" -وهل سيناء فيها مطر وأرض تكفي ذلك فعلاً؟!-، وقال الشيخ دون أن يعرف اسم الرجل: "إن هذا الرجل لا يصلح أن يقود عزبة فضلاً عن أن يقود مصر!".

هل كان هذا الموقف خيانة لله وللرسول -صلى الله عليه وسلم- وللأمة؟!

سيقول الكثيرون: الظروف قد تغيرت، وقد وُجد الإمام الممكَّن وتمت بيعته بالانتخابات فلا يجوز الخروج عليه، وقد بالغ البعض فجعل من سكت على ذلك وتعامل مع الواقع الجديد من الخوارج، وبالغ البعض أشد منه فجعله من الموالين للكفار والمرتدين!

ويا عجبًا... ! هل مجرد خلع الإمام الذي ثبتت إمامته يُعد صاحبه من الخوارج دون القول بتكفير مرتكب الكبيرة، وتكفير الحاكم أو غيره مع قتاله؟

هل قتال طلحة والزبير ومعاوية لعلي -رضي الله عنهم- جعلهم من الخوارج فضلاً عن ارتدادهم بذلك؟!

ونقول: إن وجود الإمام الممكَّن وثبوت بيعته بالانتخابات هو وهم الحلم الجميل الذي عشناه وما زال البعض يعيشه!

يا قومنا... أليس عندكم جميعًا -فيما أعلم- أن الإمامة لا تثبت إلا بشوكة تفرض الطاعة؟!

هل كان أهل الشوكة الحقيقية في البلاد مطيعين للدكتور "مرسي" لا يقدرون على مخالفته؟!

وهل كان الجيش والشرطة والمخابرات، ثم أجهزة الإعلام، وأهل المال والاقتصاد، والقضاء والدولة العميقة وأتباع النظام السابق في يد الرئيس؟!

هل استطاع د."مرسي" أن يقيم الدين أو أن يسوس الدنيا بالدين أم أحسن أحواله أن يكون عاجزًا، بل ما استطاع أن يسوس دنيا الناس ويوفر حاجياتهم؛ ولو بغير الدين، ولو بالربا ومنح التصاريح للخمارات؟!

الكل يعلم أن جزءًا من المشاكل مفتعل وهذا دليل على أنه لم يكن ممكَّنًا؛ إذ عجز عن حل المشاكل إلى درجة سخط شعبي عارم، فالناس على نحو ما قال القائل:

عض قلبي ولا تعض رغيفي إن قلبي على الرغيف رهيف

فكل هؤلاء يخالفونه حتى وُجد لهم الظهير الشعبي المتضرر مِن فقْد أساسيات حياته وهو عاجز عن قيادة البلاد دنيا أو دين وسط هذه الصراعات، وفي الدول المحيطة مخالفة مماثلة: دول الخليج - أثيوبيا - حتى السودان خذلتنا في سد النهضة - إسرائيل "حدث ولا حرج" - دول الربيع العربي مشغولة بمشاكل ثوراتها.

أما مَن يعد إيران وتابعتها العراق حليفًا للمشروع الإسلامي فهي مصيبة مركبة.

الصفحة التالية