شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

عتاب هادئ للإخوة المخالفين في الداخل والخارج

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

وأما الموقف الدولي فمعلوم حقيقة ما يريده الغرب وأنه مع من يقدم التنازلات أكثر؛ وحبذا لو كان بغطاء إسلامي، وهم يركزون جدًّا على الجانب الثقافي والفكري ممثلاً في الدستور وهو أول ما بذله الإخوان ومستعدون لبذله من تنازلات، فكيف يمكن لرئيس "ممكَّن" -كما يزعم مَن يزعم!- أن يقود بلده وسط كل هذا؟!

فالسقوط مقطوع به تقدم أو تأخر؛ لأن فلسفة القيادة لم تكن في محاولة استيعاب المخالفين فضلاً عن الموافقين، وإنما في الصدام مع الجميع وفي نفس الوقت هل يقبل أن يكون "الإمام الممكَّن" يتلقى إنذارًا من قائد جيشه ثم لا يقوم بعزله وإنما يطالبه بسحب إنذاره ومهلته! الذي لا شك فيه إنه كان غير قادر على عزله.

"حزب النور" لم يشارك في انقلاب -كما يقولون!- وإنما تعامل مع واقع مفروض كان موجودًا قبل ذلك للناظرين بعين الحقيقة، وأصبح معلنًا بالبيان الذي تم فيه عزل الرئيس بعد أن سيطر الجيش على مقاليد البلاد خلال المهلة تحت سمع وبصر الجميع، وسيطر على وسائل الإعلام ووضع الرئيس تحت الإقامة الجبرية.

هل خطؤنا أنكم تقرؤون المشهد على غير حقيقته أو تفهمونه بما تحبونه كما فسرتم الإنذار الأول والمهلة الأولى التي كانت أسبوعًا على أنها إنذار للمعارضة وليس للرئاسة؟!

والعجب أنه حتى لو كان الأمر كذلك فكان هذا دون أمر من الرئاسة... فأين التمكين يا عباد الله؟! وأين الشوكة؟! وأين إقامة الدين، وسياسة الدنيا بالدين أو بغيره؟!

نحن تعاملنا مع الواقع الجديد -القديم في الحقيقة- كما كنتم أنتم تتعاملون معه طيلة سنة ونصف حكم فيها المجلس العسكري؛ وهذا هو الموقف الثاني الذي أذكركم به: فلم تكن هذه خيانة لله وللرسول -صلى الله عليه وسلم- وللأمة، بل كانت -كما كانت من قبل- درءًا للمفاسد وجلبًا للمصالح، وأهمها: تجنب أن نضع الإسلاميين جميعًا في بوتقة واحدة ضد الشعب تقاتله وتهدده بأنهم سيسحقونه في "30 /6"! وأنه: "مَن رش الرئيس بالماء سنرشه بالدم"، و"أن هناك 100 ألفًا قد بايعوا على الهجوم لا الدفاع!"، مع إظهار السلاح واستعماله علنًا في محافظات كثيرة... ثم كانت الطامة الأشد في إعلان البعض صراحة أن عمليات سيناء تتوقف فورًا إذا عاد "مرسي" إلى الكرسي، وإلا ستستمر؛ فقائل هذا يحمِّل الجماعة علنًا مسئولية كل العمليات التي تجري في سيناء!

مع أن الذين خرجوا في "30 /6" لم يكونوا كلهم من العلمانيين والنصارى والفلول وأطفال الشوارع، بل كانت ملايين حقيقية تطالب بلقمة عيشها التي حرمت منها بمؤامرات أو غير مؤامرات، فـ"المطلوب من القيادة أن تقود رغم المؤامرات وإلا فإذا عجزت فلترحل".

إن السخط على كل ما هو "إسلامي" -بالاصطلاح المعاصر- كان لا يخفى على أحد خصوصًا الملتحين والمنقبات طيلة أسبوعين تقريبًا قبل "30 /6" من سب واتهام وأحيانًا اعتداءاتٍ، وللأسف كانت قراءة المشهد عند من يتخذ القرار من جنس أن مهلة الأسبوع التي أمهلها الجيش كانت إنذارًا للمعارضة مع أننا نبهنا على ذلك قولاً وكتابة في الوثيقة التي استلمها وفد مكتب الإرشاد الذي زار الدعوة في "16-6-2013م"، وفيها تحذير من إعطاء المبرر لتدخل الجيش... ووالله لم يكن عن تواطؤ، ولكن توقع واحتمال يدركه كل من يقرأ المشهد قراءة واعية، وليس حسب ما يحب هو أن يراه ويقرأه.

وما قاله البعض عن وجوب استنقاذ الإمام إذا أُسِر فهو تابع في الحقيقة لهذا التصور الوهمي مِن وجود إمام ممكَّن، وأن الانتخابات بيعة! (سؤال عابر: هل لو كسب شفيق بدون تزوير ستكون بيعة له؟!) فمجرد نية إقامة الشريعة لا تكفي في تصحيح الإمامة، فكلنا ننوي ذلك... فهل كلنا أئمة؟!

والصورة التي ذكرها العلماء هي في أسر الإمام مِن قِبَل الكفار، وأظن أن سيف التكفير جاهز لكل من خالفوا، ولم يقل العلماء ولم يطبقوا هذا في خليفة عزله السلطان وأسره، بل وقتله، وارجعوا للتاريخ ستجدون كمًا هائلاً من ذلك، ولقد كان أئمة السنة في زمن الصراع بين الأمويين والعباسيين ولم يقولوا بوجوب استنقاذ الإمام الأسير، بل تعاملوا مع الواقع الجديد الذي صار حقيقة بالتغلب.

وأكرر ليس خطؤنا أنكم لا تحسنون قراءة المشهد.

وعذرًا لمن هم خارج البلاد من المشايخ والدعاة: لم يكن لكم أن تتورطوا في الإفتاء على واقع لا تعلمونه اعتمادًا على نقل من توالونه ولم تسمعوا ممن خالفه! فعسى أن تعيدوا النظر.

وهل يكفي الاعتماد على وسائل الإعلام المسماة بالإسلامية التي صار الكذب -وهو على ما أعلم يجوز في الحرب- هو السلاح الأول المستعمل لتشويه الحقائق ولي الوقائع لتصل في النهاية إلى استخراج البيانات بهذه الصورة.

موقف ثالث أذكِّر به: هو ما كان من وجود "التحالف الديمقراطي" الذي رعاه حزب الحرية والعدالة؛ "تحالف" و"ديمقراطي" وعلى رأسه رموز الليبراليين وكانوا معروفي الاتجاه الفكري تمامًا، بل صاروا قادة جبهة الإنقاذ، ومرَّ على المشايخ والدعاة والإعلام المسمي بالإسلامي مرور الكرام، بل مع التبرير الشرعي بحلف الفضول!

قارنوا بين هذا الموقف وقد قدَّم رموز الليبرالية للانتخاب على "قوائم الإخوان" دون غضاضة وبين موقف "حزب النور" في مبادرته التي طالب فيها بإصلاح حقيقي تحتاج إليه البلاد، ومصالحة مع مؤسسات الدولة لا يمكن أن يستمر العمل دونها؛ وإذا بالعالم كله يسمع عن موالاة "حزب النور" لأعداء الله العلمانيين، معسكر الكفر، والديمقراطية كفر... !

مع أننا لم نقبل قط حق التشريع لغير الله.

ولا قلنا: إن عرض القوانين على هيئة كبار العلماء لبيان "حكم الشريعة" فيها تأسيس للدولة الدينية المرفوضة!

ولا قلنا: إن التشريع هو لهذا الشعب ممثلاً في مجلس الشورى؛ لأن الشعب مصدر السلطات! بل نفسر مصدر السلطات بأنه بضوابط الدستور المتضمن مرجعية الشريعة فلا يجوز لمجلس الشورى أو النواب أن يسن خلاف الشريعة.

هل كانت كل هذه المصطلحات، وكل هؤلاء الأشخاص، وكل هذا المنهج الفكري مختلفًا عما هو عليه الآن عندما تحالف معهم الإخوان؟! ولم نتحالف معهم قط، ولا والينا مَن يخالف الشرع، وإنما حصل توافق على موقف سياسي كان أقبح منه بلا شك ما أعلنه د."مرسي" بأن الموقف المصري يتطابق مع الموقف الروسي من الأزمة السورية!

الصفحة السابقة الصفحة التالية