تعقيبًا على مقال: "متابعة حول موقف حزب النور من البغي على الرئيس" لـ د."صلاح الصاوي"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
حزب النور أعان د."مرسي" وناصحه حتى آخر لحظة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالإنصاف كان عزيزًا فيما مضى وأما الآن فقد صار أندر من الندرة ذاتها، ولذلك فقد سررتُ أيما سرور بالنقد الذي وجهه د."صلاح الصاوي" لموقف حزب النور في أزمة د."مرسي"؛ لالتزامه قواعد الشرع، وتغليبه لحسن الظن، ووضعه الخلاف في هذه القضية في موضعه المناسب، وهذا ما يشجِّع بمناقشته؛ رجاء أن تسهم المناقشة في مزيدٍ من حسن تفهم كل طرف لمقاصد الآخر.
إنك لا تملك أمام النقد المتعسف القائم على الظنون والأكاذيب إلا أن تدعو لصاحبه بالهداية والتزام ما يحض عليه الشرع من حسن الظن والتثبت قبل إلقاء التهم، في حين يجبرك النقد الموضوعي على المناقشة والتحليل، ومِن ثَمَّ رأيتُ أن أنقل مقالته بتمامها مع التعليق على ما يستحق التعليق منها، فتحصل الفائدة أولاً بكلام الشيخ ثم ببعض التوضيحات التي سوف أعقِّب بها، وقد اخترت لها عنوان: "حزب النور أعان د.مرسي وناصحه حتى آخر لحظة".
وأردتُ بهذا العنوان أن ألخص الرد على الانتقاد الرئيسي الذي وجهه د."الصاوي" واختار له وصف "البغي" على الرئيس، وهذا يعني أن حزب "النور" قد خرج على الرئيس بتأويل سائغ -وهذا هو معنى البغي شرعًا- بينما يرى حزب النور أنه ظل مع د."مرسي" حتى تغلب غيره فناصح ذلك الغير في أمور، من أهمها: الهوية الإسلامية، ومستقبل الحركة الإسلامية -وعلى رأسها الإخوان-، وأظن أن كل منصف يدرك أن الحزب وازن حمى التخلص من آثار حكم الإسلاميين قدر الإمكان.
أولاً: مقالة الدكتور صلاح الصاوي:
متابعة حول موقف حزب النور من البغي على الرئيس
"بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فلقد تابعت تفاعلات المشهد الدعوى حول فتوى "موقف حزب النور من البغي على الرئيس" وتأملتها جميعًا ما بين مستبشر بها أو مقر لها على شيء من الإغماض أو التحفظ، أو عاتِب قد استوعب الصدمة فجاء عتابه على استحياء، أو مجروح لم يتعافَ بعد من جراحاته من هذا الموقف، وما بين كاظم لغيظه أو مطلق له العنان، وما بين مجامل لي في تحفظه، أو مطلق لقلمه العنان يكتب في عفوية واسترسال!
ولكل هؤلاء مني الحب والتقدير، والثناء والدعاء، وأود أن أسجل هذه المتابعات والتي أرجو أن تكون -بإذن الله- نافعة، كما أرجو ألا تكون في بعضها صادمة، وآمل من أحبائي الصبر على قراءتها، ولهم كامل الحق في التعامل معها بعد ذلك كما يحبون؛ قبولاً أو رفضًا أو تعديلاً بحذف أو إضافة!
أولاً: حزب النور ومنتسبوه جزء من جماعة المسلمين، بل جزء من صفوتهم وخيارهم، عاشوا ينصرون السنة مع مَن ينصرونها، ويجددون الدين مع من يجددونه؛ إحياءً للعقائد الصحيحة، وإشاعة للسنن، وإماتة للبدع، ولهم هدي وسمت لا ينكره إلا مكابر، وآثارهم تدل عليهم، ومن ثمارهم تعرفونهم، وأرجو ألا تحملنا الخصومات السياسية على إنكار هذه الحقائق التي هي أشد وضوحًا من وجود الأهرامات بالجيزة أو نهر النيل في مصر!
إن المقارنة بين "ياسر برهامي" و"الباقوري" أيام "عبد الناصر" والتسوية بينهما مقارنة ظالمة وتسوية أظلم! فـ"ياسر برهامي" لا يزال على ولائه لدينه وشريعة ربه، لا يزال الراكع الساجد المدافع عن الشريعة، والموالي لأتباعها! أما الباقوري -عفا الله عنه- فقد قفز من معسكر الإخوان، وخلع رداءهم ومنهاجهم بالكلية وظاهر على إخوانه، وهو المتمثل بقول القائل:
الشيخ والقسيس قسيسان وإن تشأ فقل هما شيخان!
وهو الذي تمثل يوم مسرحية المنشية بقول القائل:
أريـد حـيـاتـه ويـريـد قـتـلي عذيرك من خليلك من مراد!
ثانيًا: حزب النور من أرشد التيارات السلفية في الموقف من الولاة ومن الجماعات الإسلامية، فلم يطلقوا القول بتبديعها على النحو الذي فعلته قطاعات سلفية أخرى، ولم يتبتلوا في محراب ولي الأمر كما تبتل آخرون ممن حتى جعلوا من "القذافي" إمام المسلمين في ليبيا! ومن "الأسد" إمام المسلمين في سوريا! وأفتوا بالتعبد بطاعة هؤلاء وأمثالهم ظاهرًا وباطنًا في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وسووا بين العلمانية والانحرافات الجزئية في تطبيق الشريعة، على النحو الذي يفضي إلى أن يصبح معه "أتاتورك" مثل الخليفة العباسي في جنس انحرافاته! وفي وجوب التعبد بطاعته ظاهرًا وباطنًا في غير معصية!
ثالثًا: جل اشتغال حزب النور فيما مضى كان يدور في فلك عقدي أو شعائري، ولم يرتد آفاق السياسة الشرعية، وآية ذلك النظر إلى أدبياتهم، فجلها في أصول العقائد أو في فروع الفقه، وليس لهم عطاء ظاهر في باب السياسة الشرعية: قضاءً أو اقتصادًا أو نظمًا دستورية أو علاقات دولية ونحوه، فلا حرج أن يقال: إنهم حدثاء عهد بالتجربة السياسية على مستوى التنظير أو مستوى التطبيق.
وقد كان مقتضى التوفيق أن ينتظم شمل العمل الإسلامي في ائتلاف جامع، يتولى حزب النور مع غيره ممن هم على شاكلته من بقية إخوانه ملف الدعوة والتربية والتعليم، ويتولى غيرهم ملف الشأن العام ممن هم أكثر تخصصًا فيه وأكثر اعتناءً به! ويكون للشيوخ الأجلاء دور الرقابة والنصح والتسديد، وحراسة المنهج والمسيرة، ولكن جرى القلم بما هو كائن!
رابعًا: موقف حزب النور من البغي على الرئيس لا يمكن بحال تصنيفه على أنه خيانة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين، وإنما يصنـَّف في دائرة الخطأ السياسي، الذي ننكره على أصحابه، مع بقاء عصمتهم وأخوتهم في الدين، وتلك هي القضية التي اشتد النكير عليها في الفتوى السابقة، وما لم نرَ الأمور على هذا النحو، فثمة خلل خطير في الرؤية وفي المنهج يجب أن يُراجع على الفور، ولو كان كل ما اختلف أهل الإسلام في قضية من القضايا تبادلا التخوين والإقصاء، لم تبقَ بين المؤمنين عصمة ولا أخوة قط، ولا يجمل أن تجمعنا الدعوة ثم تفرق بيننا الخصومات السياسية!