شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تعقيبًا على مقال: "متابعة حول موقف حزب النور من البغي على الرئيس" لـ د."صلاح الصاوي"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

يقول أحبابنا في حزب النور في الدفاع عن موقفهم: إن اختيار رئيس ليبرالي أو قومي كان موضع اتفاق من البداية من الإخوان وغيرهم على أساس أن ظروف البلد لا تحتمل رئيسًا إسلاميًّا في هذه المرحلة؛ فلماذا لم يعد ذلك خيانة في البداية ثم يُعد موافقة حزب النور على ذلك في إبان الانقلاب خيانة؟!

ثم يضيفون فيقولون: من زعم أن الأوضاع قد اختلفت بالاتفاق على رئيس إسلامي ثبتت ولايته، وسلمت له مقاليد البلاد، فإنهم يجيبون عن ذلك بأنه لم يكن ممكَّنًا، ولم يدعمه أهل الشوكة كالجيش والشرطة والمخابرات والإعلام والقضاء، بالإضافة إلى موقف دول الجوار والموقف الدولي!

ثم يزيدون فيقولون: نحن لم نشارك في الانقلاب وإنما تعاملنا مع واقع مفروض كان موجودًا قبل ذلك للناظرين بعين الحقيقة، وأصبح معلنًا بالبيان الذي تم فيه عزل الرئيس بعد أن سيطر الجيش على مقاليد البلاد خلال المهلة تحت سمع وبصر الجميع، وسيطر على وسائل الإعلام، ووضع الرئيس تحت الإقامة الجبرية.

وما ساقوه في هذا المقام قابل للمناقشة والتخطئة، ولكنه ليس قابلاً لأن يكون مسوغًا للتخوين والإقصاء بحال!

وأود قبل الدخول في مناقشة هذه التحليلات أن أؤكد أن ما سنثبته الآن هو نفس ما كنا سنثبته لو كان "ياسر برهامي" أو "أبو الفتوح" أو "العوا" محل "مرسي"، فالقضية ليست قضية شخص، وإنما هو مسار وتيار واتجاه!

فالاتفاق على رئيس ليبرالي من البداية وكون ذلك على رضا وسواء بين المؤمنين أو جمهورهم وسوادهم الأعظم لاقتضاء المصلحة ذلك أمر لا غبار عليه، فهو يدور في فلك السياسة الشرعية، وتتقرر شرعيته وعدمها في ضوء الموازنة بين المصالح والمفاسد، ولكن إذا تغير المسار وأفرزت الأحداث فيما بعد قيادة إسلامية، فالواجب هو الالتفاف حولها ودعمها ونصرتها ظالمة كانت أو مظلومة بالمفهوم الشرعي للنصرة وإقدارها على القيام برسالتها، ومناصحتها فيما تخطئ فيه عند الاقتضاء، والإنكار عليها عند الزلل بما لا يؤدي إلى مفسدة أعظم، والصبر على ما يكون منها من أثرة حسبة لله -تعالى-، وترفعًا عن المآرب الشخصية والعلائق الحزبية والتنظيمية مهما كانت التصورات المبدئية قبل ذلك، ومفارقتها إلى غيرها هو موضع العتب والتثريب، فالقياس هنا مع الفارق!

وأود أن الإشارة إلى أنه قبل تفاقم الأحداث ضد الرئيس المظلوم كانت هناك بوادر من رموز في حزب النور إلى إضعاف ولاية الرئيس "مرسي" ونزع صفة الولاية الشرعية عنها، وتشبيه التعاون معه بالتعاون مع "مبارك" في أي مشترك من الخير! وتصريحات نسبت إلى بعض القيادات السلفية عن ندمها على التصويت للرئيس "مرسي"، وأنها لو استقبلت من أمرها ما استدبرت لصوتت للفريق "شفيق!"، وأخرى شنت الغارة على الإخوان حتى نسب لبعض قياداتهم قوله: "إن فشل 30 يونيو سيحول جماعة الإخوان المسلمين لوحش كبير لا يمكن إيقافه!".

وقد علقنا على ذلك في حينها ونصحنا إخوتنا بما نعتقده في إبانها، وقلنا إنه لا يجمل سياسة ولا يصلح شرعًا نزع جميع أحكام الإمارة الشرعية عن هذه الولاية، والتسوية بين مبدأ العلاقة بها والعلاقة بولاية سائر طواغيت الأرض على شعوبهم سواء أكانوا من المسلمين أم من غير المسلمين، وإنما العدل في هذا أن يقال: هذه ولاية شرعية قطرية أو جزئية تنشئ للقائم عليها حق الطاعة والنصرة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة، أي: في حدود الضوابط الشرعية التي رسمتها الشريعة في باب الولاية، وفي حدود العقد الذي بويع على أساسه من ناحية أخرى، وإن إلغاء ولايتها الشرعية بالكلية انتحار سياسي وخطيئة شرعية! وغدًا سيُرفع نفس السلاح في وجوه من يرفعونه اليوم، والأيام دول، لكن لم يطف بخيالنا تخوين ولا تكفير ولا تفسيق ولا إقصاء!

وأكدنا أن من ظن أن له في غير شركاء دربه ورفقاء مسيرته بدائل فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وقد عاند الشرع والواقع والتاريخ! فما هش هؤلاء الغلاة لفريق منا إلا نكاية في بقية خصومهم من أهل الدين، وليتخذوا منهم ورقة توت يسترون بها عورتهم، ويجملون بها قبحهم، حتى إذا قضوا وطرهم وردت لهم الكرة على خصومهم، فلن يرقبوا في أحدٍ من أهل الدين إلاً ولا ذمة!

ومن وعى درس التاريخ والحاضر يدرك هذا المعنى، ورحم الله المعتمد بن عباد القائل: "إن رعي الجمال خير من رعي الخنازير!" أي أن يكون مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيرًا يرعى جماله في الصحراء، خير من كونه ممزَّقـًا للأذفونش أسيرًا له يرعى خنازيره في قشتالة! مع اعتبار الفارق بين المقامين، وأن تكفير المعاندين لم يطف بخيالنا طرفة عين؛ لأن جلهم ما بين متأول أو جاهل!

أما القول بأنه لم يكن ممكَّنًا: فإن جوابه أنه قد سُلِّمت له مقاليد الأمور من الناحية الرسمية، فسلمت له القيادة من الجيش وكانت له خطوات جريئة كإقصاء طنطاوي وعنان، والترتيب لقيادة مدنية للبلاد، ولم يكن الأمر في البداية بهذا السوء، ولعله لو وجد مِن جميع إخوانه الدعم والمؤازرة لتغيرت الأمور، ولكن منطق المعارضة حمل كثيرًا من إخوانه على تتبع عثراته، والتقاط أخطائه والمظاهرة عليه، والمشاركة بوجه أو بآخر في تطيير ذلك وإشاعته وفض الناس عنه! نعم لقد كان من أخطائه -عفا الله عنه- أنه استمع لبعض من حوله ممن حاولوا باجتهاد أو بآخر الاستئثار والاستحواذ، فأثاروا حفيظة المخلصين ممن يعدون فريقه وشيعته إذا خان الحلفاء، وتنكر الأصدقاء!

كما كانت له -عفا الله عنه- أخطاء أخرى، وللحديث عنها مقام آخر، وليس من المروءة بسط القول فيها والرجل ورهطه بين فكي الرحى، تنوشهم رماح الخصوم وسيوفهم!

الصفحة السابقة الصفحة التالية