تعقيبًا على مقال: "متابعة حول موقف حزب النور من البغي على الرئيس" لـ د."صلاح الصاوي"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
في الواقع إن معظم ما كتب في هذا الباب منسوب لكاتب هذه السطور، ومن عجيب الأمر أن ما كتبتُه في سلسلة مقالات يتوافق تمامًا مع ما ذكره د."الصاوي"، حيث قال: "وإنما العدل في هذا أن يُقال: هذه ولاية شرعية قُطرية أو جزئية تنشئ للقائم عليها حق الطاعة والنصرة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة، أي في حدود الضوابط الشرعية التي رسمتها الشريعة في باب الولاية، وفي حدود العقد الذي بويع على أساسه من ناحية أخرى" -(وهذا مما يدخل السرور على قلبي)-.
وأما القول بأنه مثله مثل "مبارك": فهذا كلام قلتُه في برنامج تليفزيوني، ولا أظن أن الشيخ سمعه بنفسه وإنما نقله له ناقل؛ لأنه لو سمعه بنفسه فسوف يدرك أن الحلقة مِن أولها إلى آخرها كانت دفاعًا عن د."مرسي" في أول مظاهراتٍ خرجت ضده، ولكن أحد الشيوخ الأزهريين أفتى حينها بأن هذه المظاهرات محرمة وأنها خروج على الحاكم! ولم ننفرد نحن بالرد عليه، بل رد عليه د."عبد الرحمن البر" وغيره، وكان الرد بالتفريق بين شروط وحقوق وواجبات الحاكم في عقد الإمامة ونظير ذلك في عقد الرئاسة، وجاء الكلام عرضًا على أن نوع عقد د."مرسي" (الرئاسة) هو من جنس عقد مبارك "أعني أي رئيس آخر" مع أني استفضتُ حينها في الفرق بين الرجلين.
والذي دفعنا إلى الإلحاح على هذه القضية هو الخوف من تكريس نظرية أن الإسلاميين يستعملون آليات الديمقراطية لمرة واحدة ثم يزعمون رئيسهم خليفة لا تجوز معارضته.
كما أن بعض الإسلاميين المؤيدين للدكتور "مرسي" تبنوا الخطاب "المدخلي" برمته "رغم كونهم من خصوم المدخلية!"، وكنا نحذرهم من مغبة ذلك إذا انتخب رئيس آخر مسلم، ولكنه غير إسلامي: ماذا سيصنعون فيما أصَّلوه؟! ولو ذكرتُ أمثلة لطال الأمر، ولكن يمكنك أن تعتبر أن كلمة: "مَن يرش الرئيس مرسي بالماء سوف نرشه بالدم!" أنها كانت منهجًا فكريًّا حقيقيًّا للكثيرين -وما زالت!-، ولعل قولها في مواجهة جماهير غاضبة كان سببًا رئيسيًّا في تنامي الغضب.
ثالثًا: قول الشيخ "أحمد فريد" أنه كان الأفضل له اختيار "شفيق":
فهذا خرج مخرج التهييج والإنكار على قضية التساهل مع الشيعة، ومَن شاهد الحلقة كاملة يعرف هذا، ثم إن مقدِّم الحلقة وهو من الدعوة السلفية لم يجد حرجًا في أن يراجع شيخه على الهواء في هذه المسألة؛ فلماذا يَغفل الناقل عن ذلك؟! ولماذا يغفل أن الشيخ تكلم بعدها بكلام فيه ثناء وتأييد للدكتور "مرسي"؟!
رابعًا: كيف كانت معارضة "حزب النور" للدكتور "مرسي"؟
حمَّل الدكتور "الصاوي" حزب النور مسئولية إضعاف الرئيس "مرسي"؛ لأنه تعامل معه بمنطق المعارضة وتتبع أخطاءه.
وأكرر: إن الشيخ ينكر على حزب "النور" مع أنه في النهاية متفق معه في رؤيته، وحتى "ملف الأخونة" مثلاً، فقد خرجت معظم المبالغات في هذا الباب من الإعلام المضاد في حيت اتسم موقف الحزب في ذلك بالموضوعية، وجهر بالنقد في ذلك؛ لطمأنة الناس أن الإسلاميين لن يجامل بعضهم بعضًا على حساب الحق، وأرجو من الدكتور "صلاح" أن يراجِع جميع انتقادات الحزب للدكتور "مرسي" في سياقها، ويبين لنا تفصيليًّا متى كانت المعارضة مفتعلة أو زائدة عن الحد أو حتى ضررها أكبر من نفعها لنتعلم من ذلك.
خامسًا: هل ادعى الحزب أن الدكتور "مرسي" لم يكن ممكَّنًا أصلاً؟
هذا الأمر لم يدَّعِه الحزب، بل تعامل مع الرئيس وسانده وقدَّم المشورة، ومِن أهمها: الأسلوب الأمثل للتعامل مع المؤسسات التي كانت تعمل بنصف طاقتها أو أقل، ولكن لم تتم الاستجابة كما وصف الدكتور "صلاح" نفسه أن المشهد قد آل إلى وضعٍ وَصَفه في المقالة المشار إليها آنفًا بقوله: "ومِن هنا بدأ التصعيد محليًّا وعالميًّا، وتسعر الكيد والتآمر، وكانت هذه الصخرة التي تكسرت عليها كل محاولات الإصلاح، وانتهت بهذه الفاجعة التي يعيش العالم توابعها بعد أن أصبحت حديث القاصي والداني، وفاجعة أهل الدين في المشارق والمغارب!".
وعند هذه اللحظة والتي فقد فيها د."مرسي" صلاحياته تمامًا وتغلب غيره؛ تواجد الحزب في المشهد، وهو أمر تتعارض فيه المصالح والمفاسد بصورة توجب على الجميع التريث في إطلاق الأحكام مع إحسان الظن، ولكن الحزب يدعو كل منصفٍ إلى تصور وتيرة عجلة العلمنة والاستبداد لو أن "حزب النور" انسحب من المشهد تمامًا أو انضم إلى "تحالف رابعة" مع الأخذ في الاعتبار المأخذ الجوهري في خطاب "رابعة"، والذي لا يمكن أن يتحمله التيار الإسلامي ككل "لا سيما السلفيين".
ونذكِّر الدكتور "صلاح" بما قاله عن خطاب "رابعة" حيث قال: "إننا مع تفهمنا لمرارة الظلم ومشبوب العاطفة إلا أننا ندعو إلى ضبط التصريحات التي تخرج من منصات المتظاهرين في رابعة والنهضة، وغيرهما، واتسامها بالموضوعية والمناصحة، وتجنب العنتريات، والعبارات التي يمكن استغلالها على أنها عبارات تكفيرية، والحرص على المصالحة الوطنية الشاملة، وإعادة الأمور إلى نصابها، وأن هذا أحب إلى المتظاهرين وقياداتهم من مجرد التصعيد والمصادمة؛ لكي لا تَحجب هذه التصريحات المشبوبة بالعواطف -والتي لا يقصِد حرفيتها كثير من المتظاهرين- قداسة الخطاب الإسلامي ورقيه، ورحمته الشاملة بالبشر جميعًا؛ فأهل الإسلام أعرف الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق".
نرجو مِن كل ناصح بموقف آخر أن يتصور المشهد كاملاً، ويقيِّمه بموازين المصالح والمفاسد، ويناصحنا حينئذٍ، ونسأل الله أن نكون مِن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وحتى يتم هذا فإننا نرى أن الموقف الذي أخذه الحزب حقق أعلى قدر ممكن من المصالح الشرعية؛ لا سيما في مواجهة العلمنة والاستبداد.
ومَن أراد معرفة أثر الحزب في ذلك... فليتصور غيابه ثم ينظر ماذا يمكن أن يحدث؟ شريطة أن يكون منصفًا وملمًّا بما يدور على الساحة.
وأقسم بالله غير حانث، والله على ما أقول شهيد: إن كثيرًا من الرموز التي اتخذت كياناتها مواقف مغايرة يثنون في الأحاديث الخاصة على موقف الحزب ويرونه الصواب؛ على الأقل فيما يتعلق بالمنظومة الفكرية والتنظيمية لحزب النور والدعوة السلفية.
والله من وراء القصد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.