تعقيبًا على مقال: "متابعة حول موقف حزب النور من البغي على الرئيس" لـ د."صلاح الصاوي"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
ولقد كتبنا في هذا المعنى من قبل ونصحنا فيه لمؤسسة الرئاسة، وذكرنا أن الأحزاب الإسلامية والفصائل الدعوية تتدين في الجملة بعدم شرعية الانقلاب على أولي الأمر من المسلمين ممن يعلنون التزامهم بالإسلام وإيمانهم بمرجعية الشريعة، وكل ما يرى منها من تجاذبات ومدافعات فهو في إطار النصيحة والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا جدَّ الجد وحزب الأمر سيكونون حول الرئاسة جنودًا بواسل، وسيقولون جميعًا لمؤسسة الرئاسة ما قاله "أبو طلحة" -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد: "نحري دون نحرك!"، فهم العدة في الملمات، وهم الردء إذا خان الحلفاء وتنكر الأخلاء.
وإذا كان ذلك كذلك فينبغي أن يكون لهم من الصبر عليهم وخصوصية الصلة بهم ما ليس لغيرهم، وألا تسمح مؤسسة الرئاسة لموقف عابر أو لوشاية مغرضة أن تزلزل رصيد الثقة ووشيجة القربى التي تربطها بهؤلاء، وأكدنا أننا لا نتحدث عن مجرد ترضيات سياسية، بل نتحدث عن مشاركة حقيقية، وأن هذه المشاركة هي التي تبني رصيد الثقة، وتردم الفجوة المفتعلة بينهم وبين إخوانهم ورفقاء دربهم وشركاء جهادهم، وتعبر بالعلاقة بهم أزمات نفسية تراكمت عبر مراحل بائسة من التنافس والاحتقانات السياسية!
وختمنا نصيحتنا لهم بقولنا: إن خيار المشاركة خيار محتوم، ولا بديل منه شرعًا وقدرًا إلا الفشل وذهاب الريح، وصدق الله العظيم: ( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:46) .
إن المعارضة الشرعية في الإطار الإسلامي لا تعدو أن تكون أسلوبًا من أساليب الاحتساب لتقويم الحاكم ونصحه ورده إلى الجادة، ولكن إذا جد الجد وحزب الأمر كان الجميع في سفينة واحدة، حتى تستوي هذه السفينة على الجودي!
أما القول بأننا لم نشارك في الانقلاب وإنما تعاملنا مع واقع مفروض كان موجودًا قبل ذلك للناظرين بعين الحقيقة وأصبح معلنًا بالبيان الذي تم فيه عزل الرئيس فهو موضع نظر، بل قد يقول قائل: لقد اتخذ منكم الانقلابيون ظهيرًا إسلاميًّا سوقوا به بغيهم وأخرجهم من عزلتهم الإسلامية، وحشدوكم في ساعة إعلان بغيهم مع الأزهر والكنيسة في مشهد استفز أهل الدين قاطبة وترك في نفوسهم جراحات غائرة! وما قدمه الانقلابيون من التزامات نقضوه في لحظة وجملة واحدة! فها هي المواد الدستورية مكاسب الفترة الماضية وحصادها يُعصف بها! وها هو مجلس الشورى يلغي! وها هي الحكومة الانتقالية تتشكل من فريق الليبراليين وفلول "مبارك"؛ فماذا بقي أيها الأحباب؟!
إن المتأمل في كل ما سبق يجد أنه أمام خصومة سياسية لعبت دورها في صياغة هذه الكارثة، وفي أن تؤول الأمور إلى هذا النحو، وأيًّا كان الأمر فلا ينبغي أن نكثر البكاء على اللبن المسكوب، ولا بديل من أن نستشرف آفاق المستقبل، وأن يَأرِزُ أهل الدين إلى خندق واحد للتدبير والتشاور كما أرِز غيرهم إلى خندق واحد، وذلك للخروج بخارطة طريق تستلهم صحيفة المدينة للتعامل فيما بينهم ثم للتعامل مع الآخرين، وذلك في إطار مشترك من الخير العام يتفقون عليه في هذه المرحلة، ويقنعون به إلى أن يتعافي المجتمع من آثار الحقبة الماضية، ويصبح أكثر تأهلاً لاستقبال أحكام الشريعة، وإحسان الظن بدعاتها وحملتها. والله تعالى أعلى وأعلم" (انتهى) .
ثانيًا: التعليق على مقالة د."صلاح الصاوي":
حزب النور أعان د."مرسي" وناصحه حتى آخر لحظة
- النقطة الأولى والثانية: مما لا غبار عليه وهو مِن إنصافه وحسن أدبه.
- النقطة الثالثة: مسألة حداثة عهد "الدعوة السلفية" -ومِن ثَمَّ حزب النور- بالسياسة: لا تصلح أن تُساق في مواجهة مواقف يدلل عليها بدلائل سياسية وأطروحات منطقية؛ على الأقل من باب "قبول الحق ممن جاء به"، والعجيب أن يقول الشيخ ذلك ومعظم أرائه السياسية قريبة جدًّا من موقفنا كما يتضح في هذا المقال وغيره، مع الأخذ في الاعتبار أنه معدود عند القوم هو الآخر من حديثي العهد بالسياسة الذي لا يُقبل منه إلا القول بأن "الإخوان رجال المرحلة".
وأما الانتظام في عمل سياسي إسلامي مشترك: فمع تقديرنا أنه حلم قديم للدكتور "الصاوي"؛ إلا أنه يبدو أنه لم يتابع لماذا فشلنا في تكوين تحالفًا إسلاميًّا في الانتخابات البرلمانية؟! ثم فشلنا حتى في التنسيق في المقاعد الفردي!
وأذكِّره بما كتبه هو نفسه في مقالته: "متابعة حول فتوى المخرج من الفتنة في الأزمة المصرية": "وقد اتسعت الطموحات فيما بعد واتجهت إلى توسيع رقعة الإصلاح، الأمر الذي انعكس على تضييق دائرة المشاركة، فلن يباشر الإصلاح إلا المؤمنون به، وهؤلاء يعسر وجودهم أو الاطمئنان إليهم إلا في دائرة أهل الدين، ثم ضاقت الدائرة أكثر بتأويل أو بآخر فكادت أن تنحصر في كوادر الحزب ورموزه والموالين له، ومن هنا كانت التقاول حول الأخونة والاستحواذ ما بين عاتب من الإسلاميين أو موتور من خارجهم!".
وأما مناقشته لتفاصيل المشهد فلنا عليها عدة ملاحظات
أولاً: ظن الشيخ أننا اتفقنا بداية على رئيس ليبرالي:
ورغم عدم انتقاده لذلك؛ إلا أنني أود أن أبيِّن أن "حزب النور" لم ينادِ قط برئيس ليبرالي وإن نادى به الإخوان وذكروا "منصور حسن" بالتحديد في حين أن حزب النور طالب برئيس غير إسلامي "أي ليس منتميًا إلى التيار الإسلامي"، ولكن من ناحية أخرى لا يكون منتميًا إلى تيار فكري مناهض، ويكون عنده قدر من التدين أو على أقصى تقدير يكون إسلاميًّا مستقلاً، وتم استعراض أسماء د."العوا" ود."أبو الفتوح" والمستشار "الغرياني" وغيرها من الأسماء، ولكن فوجئ الحزب بتغير موقف الإخوان، ودعمَ الحزب د."أبو الفتوح" ابتداءً وبعد خروجه من السباق دعم د."مرسي"؛ رغم تخوفاته التي كان الإخوان يقرون بها في وقت من الأوقات.
وهذا أحد المواقف التي يزعم حزب النور أن الواقع قد شهد لرؤيته المسبقة فيها رغم حداثة عهده بالسياسة!
ثانيًا: التكييف الشرعي لوضع الرئيس الإسلامي: