شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي هذه الأحداث الدامية التي تشهدها مصرنا الحبيبة -حفظها الله وسلَّمها من كل سوء وشر- تسيطر مشاعر الحزن والأسى على كثير من أهل الإسلام؛ ليس في مصر وحدها، بل في أرجاء العالم بأسره، وحق لهم ذلك؛ فإن مشاهد الدماء التي أُريقت والأرواح التي أُزهقت من هنا ومن هناك -نرجو أن يكونوا من الأبرياء، ونسأل الله أن يغفر لهم ويعفو عنهم- لا تفارق مخيلة الكثيرين.

وكم حذرتْ "الدعوة السلفية" -وذراعها السياسي "حزب النور"- من هذا الانقسام، وكم أبدتْ تخوفاتها من الوصول إلى تلك الدرجة من الاحتقان التي تكاد تودي بالبلاد والعباد، ولا تزال تنذر بمزيد من الدماء "إن لم تتداركنا رحمة الله"، بل وتهدد بحرب أهلية، وبتدخل مجلس الأمن في شئون بلادنا، وغير ذلك -نسأل الله العافية-.

ولقد علم القاصي والداني أن "الدعوة السلفية" وأبناءها لم يقصِّروا في نصرة إخوانهم والقيام بحقوقهم عليهم، بل لا يزالون على العهد؛ رغم كل ما يُكال لهم ولشيوخ دعوتهم من اتهامات قاسية فظيعة بالخيانة والتفسيق، بل والتكفير! ورمي العمالة بلا بينة أو حتى شبهة دليل، ولكن البعض لا يرضى إلا بأن يكون الجميع في سلة واحدة وفي مرمى واحد؛ ولو كان هذا على حساب الدعوة إلى الله وفتنة الناس في دينهم!

ويريد دون أن يشعر -وهذا ظننا الحسن به- أن يجر كلَّ أبناء التيار الإسلامي إلى حروب دامية غير محسوبة العواقب، بل في الحقيقة نتائجها محسومة عند ذوي البصائر والفهوم.

وليست نصرة المسلمين تشرع في كل وقت بالأبدان والسلاح؛ ولو أدى ذلك إلى استئصال شأفتهم جميعًا واستباحة بيضتهم، وهذا في الوقت الذي أبى فيه هذا البعض كل صور الإصلاح ومبادرات التوفيق ناسيًا أو متناسيًا هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- القائل: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) (رواه البخاري) .

فكم نصحتْ "الدعوة السلفية" وراسلت وتوسطت وسعتْ -ولا تزال- للمصالحة الوطنية بيْن الأطراف المتنازعة، ولكن ما من مجيب؛ فكل مستمسك بما هو عليه، يرى أنه على الحق المبين، ولكن مَن يُشادَّ مَن لا يقدر عليه ولا يطيقه هو غوي مبين! يعرِّض نفسه وصفوة شباب وطنه من أبناء التيار الإسلامي للقتل والهلاك؛ مُعرِضًا في هذا عن الاهتداء بهدي الشرع وموازين المصالح والمفاسد التي جاءت به الشريعة المطهرة، وتعامل بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل تعامل بها كل أنبياء الله ورسله الكرام -عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين-.

فهذا موسى -عليه السلام- لما أعلن فرعون عن سعيه الأثيم لاستئصال بني إسرائيل بقوله: ( سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ) (الأعراف:127) .

كان جواب موسى -عليه السلام- لقومه: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) .

وما كان هذا خنوعًا واستسلامًا من موسى -عليه السلام- أو تخليًّا عن مشروعه الدعوي والإصلاحي وخيانة لقضيته -حاشاه عليه السلام!-، بل كان هذا هو الموقف الشرعي الموافق لمقاصد الشرائع الإلهية التي بعث الله بها الأنبياء والمرسلين من تحريز المؤمنين قدر الطاقة، والنأي بهم عن حروب دامية فيها هلاكهم وضياعهم.

وقد أنزل الله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- في زمن الاستضعاف والعجز عن مجابهة المشركين والظالمين والانتصار منهم، تلك الوصية العظيمة الجامعة لمكارم الأخلاق والتي تجر الكافرين -فضلاً عمن دونهم في العداوة- إلى الإسلام والالتزام، فقال -عز من قائل-: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) (الأعراف:199) ، وأنزل الله عليه كذلك: ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ) (البقرة:109) .

وهذه نصوص محكمة غير منسوخة، قال القرطبي -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ): "وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابُ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولاً كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أَخِيهِ: يا بن أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَتَسْتَأْذِنُ لِي عَلَيْهِ. قَالَ سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، فاستأذن لعيينة، فلما دخل قال: يا بن الْخَطَّابِ، وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ! قَالَ: فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ. فَقَالَ الْحُرُّ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ-: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ. فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-. قُلْتُ: فَاسْتِعْمَالُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لِهَذِهِ الآيَةِ وَاسْتِدْلالُ الْحُرِّ بِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لا مَنْسُوخَةٌ، وَكَذَلِكَ اسْتَعْمَلَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-" (انتهى) .

الصفحة التالية