وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
وقد أمرنا الله -تعالى- بحساب النتائج، ودراسة المواقف، واعتبار المصالح والمفاسد، قال -سبحانه-: ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الأنعام:108) ، وقال -تعالى-: ( وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النحل:94) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- امتنع عن قتل رأس النفاق ابن سلول لما أراد عمر -رضي الله عنه- أن يضرب عنقه واستأذنه في ذلك، وقال: ( دَعْهُ، لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ) (متفق عليه) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ) (متفق عليه) .
وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- حذيفة -رضي الله عنه- من أن يتسبب في إذعار كفار قريش وتهييج الأحزاب على المسلمين، فقال له: ( اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ ) (رواه مسلم) ؛ حتى لا يتورط المسلمون في معركة تفوق قدراتهم وإمكانياتهم، إذ كان الغرض من إرسال حذيفة إلى معسكر المشركين معرفة أخبارهم وجس نبضهم وتحركاتهم، وقد أمكن حذيفة -رضي الله عنه- أن يقتل أبي سفيان رأس المشركين آنذاك -والذي أسلم وحسن إسلامه فيما بعد- إذ قال: "فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنَّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْمًا فِي كَبِدِ الْقَوْسِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَلا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ )، وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ"، ولكن امتثل حذيفة -رضي الله عنه- أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان في هذا المصلحة العظيمة.
ولقد امتدح النبي -صلى الله عليه وسلم- قادة غزوة مؤتة الثلاثة، وامتدح خالد بن الوليد ووصفه بأنه سيف الله لما تحيز بالجيش وعاد به إلى المدينة، وسمَّى ما فعله خالد فتحًا، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ، فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) (رواه البخاري)؛ لأن ما فعله خالد -رضي الله عنه- كان هو الخيار الصائب الموافق لمقاصد الشريعة، وهو تحريز المسلمين والنجاة برأس المال الحقيقي المتمثل في جند الله المؤمنين الذين تمكنوا بعد سنوات قلائل من فتح البلاد وتعبيدها لله -عز وجل-، ومدح -صلى الله عليه وسلم- هذا الجيش -رغم انسحابه- وقال: ( بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الشيخ أحمد شاكر) .
بل ظل النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه مع صاحبه أبي بكر -رضي الله عنه- حبيس الغار، وما كان هذا جبنًا أو تخاذلاً، بل كان أخذًا بالأسباب المشروعة لحماية الدعوة إلى الله -تعالى-؛ فكان هذا الاختباء في الغار رغم معية الله الحاصلة قطعًا ( إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:40) ، ومع هذا... ما اقتضت تلك المعية أن يخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه ليواجها بمفردهما تلك القوة الغاشمة، وما كان سكون النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه في الغار ومحاولتهما استمرار الاختباء عن أعين المشركين جبنًا أو ضعفًا أو تضييعًا لقضية الإسلام، بل كان هذا الاختباء هو الموقف الشرعي المحمود وكان نصرًا كما سماه الله ( فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ) وإن لم يكن بقتل الكفار، ولكن قد صرفهم الله عن نبيه، فكان نصرًا للحفاظ على المنهج وبقاء الدعوة إلى الله حتى تصل إلى غايتها المنشودة من الوصول إلى كل أجناس البشر.
وأما مَن ظن أن التوكل على الله واستحضار معيته لعباده المؤمنين يعني عدم الأخذ بالأسباب المشروعة وإلغاء حسابات وموازنات القوى المختلفة، فقد أخطأ في ذلك وجهل معنى التوكل الذي هو اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب المشروعة، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:64-66) .