شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية

فعلَّمنا الله -تعالى- لزوم اعتبار موازين القوى بيننا وبين أعدائنا، ومعلوم أن العدد إنما يعتبر مع تقارب الصفات وإلا فمع التفاوت البيِّن في ذلك فضلاً عن الهائل، فلابد من الحفاظ على رأس المال الحقيقي "البشري" من أهل الإسلام؛ إذ ليس من الشجاعة والإقدام أن يواجه الإنسان طائرة برمح أو سيف، وأما إن لم يكن عند المسلمين إمكانية للدفع وإنما يقتلون دون إحداث نكاية في العدو لم يجز لهم أن يدخلوا هذه المعركة وإنما يستعملون ما أمر الله به في مرحلة: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (النساء:77) ، وفي مرحلة: ( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (الأعراف:128) . (انظر: أخلاقنا في الفتن "خطبة الجمعة 2-10-1434هـ، 9-8-2013م" لـ د. ياسر برهامي - موقع أنا السلفي) .

ورغم أن الذي وقع من سفك الدماء وصور الفساد المتعددة شديد الألم، لكن الأكثر ألمًا والأخطر... هو ذلك الشعور التي تسلل إلى نفوس بعض التيارات والفصائل من أن الإسلام على وشك الاستئصال، وأن الإسلاميين -كما يسميهم البعض- إن لم تكن لهم الغلبة الآن؛ فلن يعبد الله في الأرض، ولن تقوم لهم قائمة بعد ذلك، وبناءً على ذلك يتصور هؤلاء أنهم في جهاد ضد الكفر وأعداء الدين قد يكفرون فيه مَن لم يكن على طريقتهم من المسلمين، ويستبيحون فيه من الأرواح والأموال والإفساد في الأرض ما لا يُستباح في الجهاد الشرعي من قطع الطرق على الناس وتعذر الإسعافات، وحرق الأخضر واليابس، وتدمير المؤسسات والمنشآت، والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، بل أحيانًا على أعراض الناس ودمائهم!

أبمثل هذا ينصر الحق؟!

أبمثل هذا تكون العزة لأصحاب المشروع الإسلامي والنهضة بالبلاد والعباد؟!

وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيمن أفسد على الناس شيئًا ينتفعون به كشجرة في فلاةٍ يستظلون بها فتقطع لغير فائدة ومنفعة: ( مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، لما في هذا الفعل من الإفساد؛ فكيف بما فوق ذلك مما نشاهده ونعرفه مما يلجأ إليه البعض من تلك الأعمال الخرقاء؟!

كان الواجب أن نرى ولو شيئًا من المراجعة للنفس وللمواقف المختلفة التي أدتْ بنا إلى تلك المشاهد الأليمة الدامية، والتي جعلتنا نفقد الظهير الشعبي الذي تعمل له كل القوى أعظم الحسابات وتقدر قدرته... ولكن للأسف ما رأينا شيئًا من ذلك!

ما رأينا إلا مزيدًا من الاسترسال في خطاب التكفير والتخوين وسفك الدماء... !

فكيف يتنزل علينا نصر الله... ؟!

إن وعد الله صادق لا يتخلف بحال: ( وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (الروم:47) ، ولكن النصر يأخذ صورًا متعددة وليس هو فقط قتل الأعداء والتمكن من رقابهم، ولكن من أعظم صور النصر: الثبات على المنهج والثبات على الحق، والمحافظة على الدعوة إلى الله -تعالى-، فهذه أعظم المكاسب، وقد عدَّ الله خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- ونجاته من المشركين نصرًا ( فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ )؛ لما فيه من بقاء المنهج واستمرار الدعوة إلى الله.

فهلا وَعَى إخواننا ذلك؟

وهلا انتبهوا إلى ما نقول فيثلجوا صدورنا ويعيدوا الفرحة إلى قلوبنا برؤية شعبنا وبلادنا آمنة هادئة؟

هلا علم إخواننا أن التمكين ليس غاية، وإنما هو وسيلة لمطلوب أعظم عند أهل الإيمان؛ هو إقامة دين الله وسياسة الدنيا بالدين، فليست الغاية هي مجرد التمكين وإن لم نطبق ما نقدر عليه من شريعة الله -تعالى-! وإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر! ( الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ) (الحج:41) .

فلو كنا مَشَيْنا بالعدل بين الناس، واهتممنا بمشاكلهم وحاجاتهم اليومية والحياتية التي يفتقدونها، ومددنا أيدينا للجميع، وطبقنا ما نقدر عليه من شريعة الله -بميزانها الشرعي-؛ لرأينا من الخير والبركات ما لم يخطر ببالنا كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الأَرْضِ، خَيْرٌ لأَهْلِ الأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ) (الأعراف:96) .

لو رأى شعب مصر المسلم المتدين بطبعه، المحب لدينه وشريعة ربه، المتألم والحانق على مَن يرميه بالكفر والنفاق… لو رأى هذا الشعب عملاً وتعظيمًا لعقيدة المسلمين وحرمات دينهم؛ لصبر على أضعاف ما قاساه وعانى منه، ولهانت عليه مرارة تلك المعاناة في جنب تلكم الحلاوة من رؤية الاقتراب من العمل بدين الله وتطبيق الشرع الشريف.

فيا إخواننا وأحبابنا... يا من يعز علينا عنتهم وألمهم:

- إن نصر الله يتنزل على من ينصره: ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) (الحج:40) ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (محمد:7) .

- إن نصر الله يكون لمن جاهد نفسه في مرضاة الله، وأحسن فيما بينه وبين الله، وبينه وبين الناس: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت:69) .

- إن نصر الله يكون لمن لهج بذكر الله -تعالى-، وأطاع الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وصبر على ذلك: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:45-46) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية