شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المؤمنون بين الاستضعاف والتمكين

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

فلما سمع موسى -عليه السلام- ذلك تركهما وانصرف، ثم عقد الفراعنة مؤتمرًا لقتله: ( وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ . فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ) (القص:20-22) ، فمكث موسى -عليه السلام- في مدين عشر سنوات، عشر سنوات كانت إعدادًا جديدًا لموسى -عليه السلام-، كانت حكمة زائدة، وعلمًا زائدًا، وسماعًا لكلام الله.

وقد يقول قائل: هذا في شريعة موسى -عليه السلام-، أما شريعتنا ففيها: ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) (التوبة:36) ، وفيها: ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟! قَالَ: ( تَمنعهُ من الظُّلم فَذَاك نصرك إِيَّاه )، شريعتنا فيها إيجابية، فيها أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، فيها أن تقول الحق وتجهر به ولا تخاف في الله لومة لائم.

والجواب: وهل هذه القواعد الكلية من نصرة المظلوم ونحوه تختلف فيها الشرائع؟!

أما القتال للمشركين كافة وأن نبدؤهم به، فهذه مرحلة من مراحل الجهاد شرع الله -عز وجل- عددًا من المراحل قبلها، وعند أئمة العلم ليست منسوخة كما بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- من أن من كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، نعم هناك مرحلة تستعمل فيها: ( اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا )، و( صَبْرًا آلَ يَاسِر ).

وفي واقع الحال قد طبق هذا مرات... عندما سقطت الأندلس، وعندما سقطت بغداد، وعندما سقطت مدن كثيرة جدًّا تحت يد التتار، ولما سقطت القدس في يد الصليبيين وبقيت 92 عامًا تحت سلطانهم لم يكن المسجد الأقصى يُصلى فيه، فحالنا اليوم أهون من يوم سقوط القدس، سقطت القدس فقتل نحو 90 ألفًا يوم الدخول، وجعل على قبة الصخرة صليبٌ، وجعلوا المسجد مزبلة وإسطبلًا للحيوانات! وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فماذا صنع المسلمون؟!

أعدوا عُدة ظهرت نتيجتها بعد 92 عامًا؛ أعدوا جيلًا جديدًا بدل الجيل المنهزم الذي انهزم بالمعاصي والذنوب، والبدع والضلالات قبل أن ينهزم عسكريًّا؛ لذا لا بد حتى يتحقق النصر من إيجاد هذا الجيل الذي فيه العقيدة الصحيحة وفيه العبادة، وفيه الخلق الإسلامي، وفيه روح الطائفة المتعاونة فيما بينها على البر والتقوى، وفيه الشورى ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى:38) ؛ إذ ليس أن كل مَن يعنَّ له شيء يفعله، وليذهب الجميع إلى ما يشاءون، فكيف يكون لنا ثقل إذًا؟! وكيف نصل إلى وحدة الكلمة إن لم يتنازل القليل منا للكثير عن رأيه الذي هو في اجتهاد في النصوص والتي تطبق على واقع؟!

لذلك نقول: إن شريعة موسى -عليه السلام- فيها نظرة المظلوم، وفيها قول كلمة الحق، وألا يُخاف في الله لومة لائم بدليل أنه قد واجه فرعون بما واجهه؟ وهذه القضية مفروغ منها، لكنه التطبيق على الواقع... فنصر المظلوم التي يترتب عليها ظلم أشد وفساد أشد هي من عمل الشيطان المضل المبين، ومن الغواية، والبعض يجعلها من سبيل المجرمين؛ لأن موسى -عليه السلام- قال: ( رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ )، فالبعض يفسرها بلن أكون ظهيرًا لمثل هذا الرجل الإسرائيلي، والبعض يفسرها رغم أني أعترف على نفسي بالخطأ فلن أكون ظهيرًا للفراعنة، وهذه قضية لا بد أن تكون واضحة؛ أننا لا يمكن أن نعاون مَن يعادي الإسلام، لكن لا بد أن نرعى المصلحة العامة للمسلمين.

ولذلك أتت الشريعة الإسلامية بأن يحسب المسلمون قوتهم وقوة عدوهم، وأن ينصرفوا من معركة يعلمون أنهم مقتولون فيها من غير إحداث نكاية في العدو الكافر المشرك -وكانت لا فائدة منها-؛ ليعدوا عدة جديدة ( إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:65، 66) .

وقد نقل العلماء الإجماع على أن المسلمين إذا كانوا في قوتهم أقل من نصف عدوهم وعلموا أنهم مقتولون من غير إحداث نكاية، فإنهم يجب عليهم الانصراف ويحرم عليهم القتال؛ لأنهم يجب عليهم أن يحفظوا "رأس المال" لعدة جديدة، ويتحيزوا إلى فئة -ولو في مستقبل قريب-، و ( أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الحافظ ابن حجر، وصححه الشيخ أحمد شاكر) ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن عادوا مع خالد بن الوليد -رضي الله عنه- في غزوة مؤتة حين أقدم الشهداء الثلاثة الأبطال: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة -رضي الله عنهم- على معركة ظنوا إمكان نجاحها، ثم تبيَّن لخالد بعد دراسة الواقع أن العدد والقوة لا تحتمل ذلك بعد أن قتل القادة الثلاثة شهداء عند الله.

الصفحة السابقة الصفحة التالية