مؤهلات النصر في جيل الصحابة
صوت السلف • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن كلَّ أمة تعتزُّ بتاريخها، وتفخر ببطولات أبنائها ورجالاتها، وإن أحق أمم الأرض بهذا الاعتزاز والفخار هي الأمة الإسلامية؛ لما أنجبته على طول تاريخها من رجالٍ وأبطالٍ يقف التاريخ أمام صفحات بطولاتهم وقفة إعزاز وفخر، وليس هذا فحسب، بل لشهادة العزيز الغفار؛ قال الله سبحانه و-تعالى-: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (آل عمران: 110) .
فسبحان مَن قدَّمنا على الناس، وسقانا من الإسلام أروى كأس، وجعل بيننا أفضل نبي رعا وساس، وقال لنا: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ).
وإن كل أمة قادة ورموزًا يمثِّلون قيمة، ويوجِّهون الأمة ليصعدوا بالناس إلى القمة، ويبلغوا بهم درجات الجنة؛ فإن قادة ورموز المجتمع المسلم هم صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، مِن نقَّتهم المحن، ومحصَّتهم الفتن؛ الذين وضعوا أيديهم في يد النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى ارتفعت راية الإسلام خفاقة، وانتشر الإسلام في ربوع الأرض، فمَن رام الرفعة والعزة؛ استهدى بهديهم واتبع طريقهم.
وهذه جملة من المؤهلات التي أهَّلت الصحابة -رضي الله عنهم- لقيادة البشرية -على سبيل الاختصار لا الحصر-:
1- تعظيمهم لأمر الله -عز وجل-، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-:
كان الصحابة -رضي الله عنهم- يسارعون إلى تنفيذ أوامر الله -عز وجل-، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، عملًا بقول الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ) (الأنفال: 20) ، وقوله -عز وجل-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا ) (الأحزاب: 36) .
فهذا موقف الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- واستجابتهم لأمر الله -عز وجل-، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وخروجهم إلى "حمراء الأسد" في صبيحة يوم أُحُد، وقد دعاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للخروج فخرجوا على ما بهم مِن جراحٍ وألمٍ؛ تعظيمًا لأمر الله -عز وجل-، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وسجَّل الله -عز وجل- لهم ذلك الموقف في كتابه الخالد في سورة آل عمران.
2- صدقهم -رضي الله عنهم- في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم:
وَصَف الله -عز وجل- المهاجرين الكرام بالصدق، فقال -تعالى-: ( لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (الحشر: 8) .
ونزل فيهم -رضي الله عنهم- قوله -تعالى-: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) (الأحزاب: 23) .
ولا نستطيع أن ننسى موقف أنس بن النضر -رضي الله عنه- يوم أُحُد، وقوله لسعد بن معاذ: "الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ! قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ". قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ". قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ( مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) (الأحزاب: 23) إِلَى آخِرِ الآيَةِ. (متفق عليه) .
3- زهدهم في الدنيا ورغبتهم في الآخرة:
إنما سبق الصحابة -رضي الله عنهم- بقوة يقينهم بالآخرة الباقية، وزهدهم في الدنيا الفانية: قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- للتابعين: "لأنتم أكثر عملًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكنهم كانوا خير منكم؛ كانوا أزهد في الدنيا، وأرغب في الآخرة".
ووصفت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فراش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان من أدم حشوه ليفًا، وهذا عمر -رضي الله عنه- وهو خليفة المسلمين يرقع ثوبه وينام على ظنفة رحله متوسدا الحقيبة، ويقول: "هذا يبلغني المقيل! ".
4- شجاعتهم النادرة واستهانتهم بالحياة الدنيا:
وكأن صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- تمثَّلت لهم الآخرة، وتحلت لهم الجنة بنعمائها كأنهم يرونها رأي العين، فطاروا إليها طيران الحمام الزاجل لا يلوي على شيء، وتعددت صور شجاعتهم؛ فهذا عمير بن الحمام يوم بدر، يقول: "بخ بخ إنها لحياة الطويلة إن أنا بقيتُ إلى أن آكل تلك التمرات! "، وألقاها من يده ثم قاتل المشركين حتى قُتِل -رضي الله عنه-.
وفي يوم اليمامة أغلقت بنو حنيفة أنصار مسيلمة الكذاب الباب عليهم، وأحاط بهم الصحابة، فقال البراء بن مالك: "يا معشر المسلمين، ألقوني عليهم في الحديقة"؛ فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرمح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل المسلمون الحديقة من حيطانها وأبوابها، يقتلون مَن فيها مِن المرتدين من أهل اليمامة؛ حتى خلصوا إلى مسيلمة -لعنه الله-.
5- قطع حبال الجاهلية، وموالاة الله -عز وجل- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين:
