شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

لقاء عاصف مع حبيب!

عصام حسنين • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن من الكتب الجديرة بالقراءة في هذه الأيام لكل العاملين على الساحة الدعوية -خاصة جماعة الإخوان- كتاب: "الإخوان المسلمون أحداث صنعتْ التاريخ" الجزء الثالث: "فترة 52-54"، للأستاذ: "محمود عبد الحليم" -رحمه الله-، وقد كان من الرعيل الأول للجماعة، وشارك أحداثها وأرخ لها، مع تحليل رائع لها.

وأتعجب -وما زال تعجبي يزداد- مِن قيادة الجماعة الآنية كيف يعيدون التاريخ مرة أخرى دون أن يستفيدوا منه؟!

كيف يُلدغون من جحر واحد مرتين؟! والمؤمن ليس بهذه الصفة!

لماذا لم يسمعوا لنصح الناصحين قبل حدوث هذه النتائج الكارثية على الدعوة والأفراد؟!

هذه النصائح التي نصح بها المخلصون من "الدعوة السلفية" و"حزب النور" وغيرهما، والتي هي هي التي نصح بها الأستاذ "محمود عبد الحليم" للأستاذ "عبد القادر عودة" والهيئة التأسيسية لما اختفى المرشد لإشاعة الاغتيال! ومع ذلك فهناك بقية مِن نُصح يمكن أن يستدركها العقلاء من الجماعة للإنقاذ؛ فهل يفعلون؟!

والآن أترك المجال للأستاذ "محمود" يحكي لنا ما وقع بعد أن حدثت بداية التنكيل بالجماعة وتشريد الموظفين بنقلهم بعيدًا عن مدنهم، وكان منهم الأستاذ "محمود" حيث نقل إلى "قنا"، ومن هناك استطاع أن يحصل على إجازة مرضية ليكون بجوار المرشد في القاهرة.

يقول: "وصلتُ إلى القاهرة واتجهت فورًا إلى دار المركز العام، فراعني ما رأيت؛ رأيت دارًا غاب عنها أهلها، ولم يبقَ بها إلا عدد ضئيل، وهذا العدد الضئيل هم الإخوة الذين أطلق عليهم "مجموعة الروضة" ورأيت بجانبهم الدكتور "محمد خميس حميدة" -رحمه الله-، وما كان بي حاجة للسؤال عن الغائبين؛ فأنا أعرف أين غابوا؟ ولمَ غابوا؟ فبعضهم غيَّبته المعتقلات، والبعض الآخر عَرفوا أنهم متعقبون فحاولوا الاستخفاء حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولاً، ولكن الذي سألتُ عنه هو "الأستاذ المرشد العام"؛ لأنني كنت حريصًا على الالتقاء به لأتبادل معه الرأي، وأستنير بتوجيهه، وأبثه ما عندي.

سألت عنه الدكتور "خميس" فقال لي: إنه مختفٍ، فسألته عن سبب اختفائه فقال لي: إنه مهدد بالاغتيال، فسألته عما إذا كانت الاتصالات مستمرة بيننا وبين "جمال" فقال لي: إنها انقطعت تمامًا، ووجدت الرجل في حال من الأسى والحزن كما رأيت ذلك مرتسمًا على وجوه العدد القليل الموجود بالمركز العام.

وقد جلستُ إلى الإخوة "مجموعة الروضة" وحدثتهم عما كان من أمري حتى استطعت أن أحضر إلى القاهرة؛ لأنني أحسست أن الحالة في تفاقم مستمر -وقد وجدتها كذلك- فالحالة تتلخص في أن الإخوان في القاهرة والمركز العام يعيشون في ظل سلطة إرهاب لا حدود لها، وقد وجدتُ أن الإخوان بالمركز العام يغذون إخوان الأقاليم بسيل من المنشورات، منها: خطابات موجهة إليهم من المرشد من مخبئه.

ولاحظتُ أن هذه المنشورات والخطابات مما يرفع من حرارة الالتهاب في أعصاب الإخوان ضد الحكومة حتى إن بعض هذه المنشورات رَمتْ رجال الثورة بما تُستباح به الدماء! كما وجدتُ حملة الصحف المصرية قد وصلتْ في إثارتها للإخوان بنشر الأكاذيب واختلاق التهم وقلب الحقائق، واستعداء الشعب عليهم إلى الحد الذي لا يستطيع الإخوان أن يملكوا أعصابهم معه!

وهنا وجدتني مطالبًا -أمام ضميري ومن أجل دعوتي وإخواني- بالقيام بعمل ما يضع حدًّا لهذا التفاقم المستمر، والغليان الذي لن يملك أحد أن يسيطر عليه بعد ذلك؛ كان لابد لي من الإقدام على ما كنت أنفر منه مِن قبل، وهو أن أقوم بلقاء مع الطرف الآخر لإجراء تفاهم بعد أن انقطعت الاتصالات، وأنا أعلم أنني شخص غير مقبول عند رجال الثورة، بل إنهم يعتبرونني من ألد أعدائهم، ولكن لابد مما ليس منه بد.

لقد كنتُ أرى صدامًا عنيفًا مدمرًا يوشك أن تسيل الدماء فيه أنهارًا، تتجمع سحبه في سماء مصر، ولن تكون أرواح الألوف وحدها صاحبة هذا الصدام، وإنما سيأتي هذا الصدام على الأخضر واليابس، ويحيل هذا البلد الطيب إلى حطام!

ولكنني فكرت: كيف يتم لي ما أريد؟! وأطلت التفكير حتى كاد ينتهي بي إلى ما يشبه اليأس، ولكن بريقـًا من الأمل لاح في الأفق حين تذكرت صديقًا من أعضاء الهيئة التأسيسية هو الأخ الحاج "محمد جودة"، وهو الأخ الذي سبق لي ذكره في الصفحات القليلة الماضية، وقلت: إنه كان زميلاً لي في المدرسة الابتدائية في رشيد، وإنه صديق شخصي حميم لـ"جمال عبد الناصر" وزملائه الضباط من قبل قيام الثورة؛ لأنهم كانوا عملاءه في محله لتجارة الأرز الرشيدي في شارع الموسكي، وقد ظلت صلتهم به بعد قيام الثورة على ما كانت عليه قبلها، وقد رأيت فيه خير سفير بيني وبينهم.

وكانت حاشية "جمال عبد الناصر" التي لا تكاد تفارقه حيث كان حتى وهو في بيته مكونة من ثلاثة ضباط هم: الصاغ "إبراهيم الطحاوي"، والصاغ "أحمد طعيمة"، واليوزباشي "عبد الرحمن نصير"، وهذا الأخير كانت مهمته مهمة حراسة، أما الآخران فكانت مهمتهما مهمة سياسية.

وتحدثت مع الأخ "محمد جودة" في العلاقات بيْن الثورة والإخوان، وما آلت إليه من تدهور، وأبديتُ رأيي في أننا يجب أن نعمل على تلافي هذا الأمر، فقال لي: هذا واجب، ولكن مَن الذي يقوم بهذا من الإخوان بعد أن امتنع المكلفون منهم بهذا الاتصال عن الاتصال؟!

فقلت له: إن "جمال عبد الناصر" هو الذي رفض مقابلتهم.

فقال: نعم، لقد رفض مقابلتهم؛ لأنه وجد أعضاء اللجنة المختصة بالاتصال سيئي النية ولا يريدون الإصلاح، بل هدفهم هو زيادة العلاقات سوءًا؛ لأنهم لا ينقلون ما يتفق عليه بأمانة، بقصد إيغار صدور الإخوان.

قلت له: إن الأستاذ المرشد -توخيًا لتحسين العلاقات- كوَّن هذه اللجنة، وكلف الدكتور "خميس" نائب المرشد بالقيام بمهمتها، فلما قام الرجل بالمهمة مرة ومرتين رفض "جمال" مقابلته بعد ذلك فما السبب؟!

قال: السبب أن "جمال" كان يعتقد أن الدكتور "خميس" وهو نائب المرشد العام يستطيع أن ينفذ ما يتفق عليه في هذه الاتصالات، ولكنه تبين أنه مجرد لقب بدليل أنه لم يستطع أن ينفذ شيئًا مما اتفق عليه، فلقد تعهد في أحد الاتصالات لـ"جمال" بأن يوقف إصدار النشرة السرية فترة من الزمن اتفق عليها، ولكن النشرة صدرت في مواعيدها.

الصفحة التالية