لقاء عاصف مع حبيب!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
ومن حق التاريخ أن أقف هنا لأقرر صحة هذه الواقعة: فلقد شكا إليّ الأخ الدكتور "خميس" من هذا التصرف مر الشكوى، وقد تحدثت في ذلك مع المسئولين من أعضاء النظام الخاص معاتبًا، وذكرتهم بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ) (رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقلت لهم: إذا كنا مطالبين بأن ننفذ عهدًا قطعه لأعدائنا أدنانا منصبًا ومكانة في مجتمعنا؛ فكيف إذا كان الذي أعطى العهد من أعلانا منصبًا ومكانة؟!.
كما ذكرتهم بموقف "أبي عبيد" أحد قواد جيش المسلمين في فتح فارس حين كان جيش المسلمين محاصِرًا أحد المواقع، وكان "جابان" قائد جيش الفرس فاجرًا عنيدًا تمنى المسلمون أن يظفروا به ليقتلوه، وكان أن أسره أحد صغار الجند ثم أمَّنه، فرآه المسلمون فأخذوه إلى قائدهم "أبي عبيد" ليقتله، فلما علم أن أحد صغار جنده "مطر بن فضة" أمنه أبى أن يقتله، وقال: "لا أغدر" وتركه!
وأنا حين أذكر هذا الذي أذكره لا أدعي أن تنفيذنا لما تعهد به الأخ الدكتور "خميس" كان سيغير الوضع -فهذا شيء كان في قبضة القدر-؛ ولكنني كنت حريصًا على ألا نتصرف تصرفـًا يتعارض مع مبادئ ديننا ودعوتنا، ونضع في يد خصمنا حجة يشهرها في وجوهنا، ويستطيع أن يذيع بها على أنها دليل على تخبطنا واضطراب أمرنا.
فقلت للأخ "محمد جودة": هل هناك مانع من أن أقوم أنا بمهمة الاتصال؟
فإذا به يتلقي هذا السؤال بدهشة كأنها مفاجأة، وسكت لحظة، ثم اتجه إليَّ كأنه كذب سمعه قائلاً: أنت تقوم بهذه المهمة؟!
قلتُ: نعم أنا.
قال: هذا شيء لم يكن يُتوقع.
قلت: يا أخ "محمد"، ليس في هذا غرابة، إننا جميعًا جنود في هذه الدعوة، نستجيب لندائها في أي لحظة، ومن حقها عليَّ في هذا الموقف -وقد انقطعت الاتصالات بيننا وبين رجال الثورة وتأزمت الأمور- أن نحاول معالجة الأمور، ونضع حدًّا لهذا التفاقم الذي لا يعلم إلا الله مدى ما يخلفه من آثار على البلاد.
قال الأخ "محمد": إنني أرحب بهذه الخطوة، ولكن ما الذي تقترح عليَّ أن أفعله؟
قلت: "تهيئ لي في محلك اجتماعًا لي مع "الطحاوي" و"طعيمة".
جاءني الأخ "محمد جودة" في اليوم التالي وأخبرني بأن الطحاوي وطعيمة تلقيا نبأ رغبتك في الاجتماع بهما بدهشة واستغراب، وقالا: إننا نعتبر فلانًا هذا أشد من الهضيبي نفسه! ولكنهما رحبا بالاجتماع، وسيكونان عندي مساء اليوم في الساعة السادسة -إن شاء الله- في انتظارك.
رتبتُ في خاطري الطريقة التي أدير بها المناقشة بيني وبينهما، وكانت تدور على محورين؛ أولهما: أن أشعرهما أنني أتكلم من موقع قوة، والآخر أننا نحن الإخوان مع ما نملك من قوة نؤثر السلام على أن يقوم على دعائم أخوية متكافئة.
الفصل الثاني: "المفاجأة المذهلة!":
ذهبت في الموعد المحدد إلى محل الأخ "محمد جودة" والتقيت بالرجلين، وكان أول لقاء لي معهما، فتلقياني بترحيب وود، وما إن تبادلنا عبارات التحية والترحيب حتى ألقيا في وجهي بقنبلة مدوية أذهلتني وأذهبت صوابي ونسفت كل ما كنت أعددته في خاطري وغشت على عيني فظللت برهة لا أكاد أرى شيئًا أمامي؛ لهول الصدمة، وفظاعة المفاجأة!
لقد تبددت أفكاري، وانعقد لساني، وارتج عليَّ؛ ولولا بقية من إيمان لجأت بها إلى ربي لما استطعت أن أواصل جلستي معهما، ولكنني استلهمت ربي الذي عودني أن يكون بجانبي في لحظات تدلهم فيها الأمور وتنقطع أسباب الرجاء، وكانت المفاجأة هي أنهما في أثناء ما أزجيا لي من عبارات الترحيب قال أحدهما -ولا أذكر من منهما- موجهًا السؤال إليَّ: ولكن يا فلان لماذا لم تقبل المنصب "الفلاني" الذي عرضه عليك الأستاذ "الهضيبي" يوم كذا... عندما اجتمعتما على انفراد بمكتبه بالمركز العام؟!
ولا أعتقد أن القارئ يجد في هذا السؤال معنى من معاني المفاجأة التي تزلزل أركان مَن يُوجَّه إليه، ولهذا يكون لزامًا عليَّ أن ألقي شعاعًا من ضوء ما يكتنف هذا السؤال من ظروف توضح مدى خطورته:
أولاً: لعل القارئ يتذكر الفتنة التي كادت تطيح بالدعوة من أساسها، والتي ابتدأت بتمرد قيادة النظام الخاص، وعلى رأسها: "عبد الرحمن السندي"، وانتهت بفصله وثلاثة معه وبفصل ثلاثة من أعضاء الهيئة التأسيسية.
ثانيًا: كان الاجتماع الذي ضمني والأستاذ المرشد على حدِتنا لا ثالث معنا إلا الله في حجرة مكتبه بالمركز العام، وأبواب المكتب كانت مغلقة، كان هذا الاجتماع عقب انتهائنا من معاناة هذه الفتنة، وخروج الدعوة منها سالمة في أتم عافية.
ثالثًا: طلب إليَّ الأستاذ المرشد في هذه الجلسة الثنائية طلبًَا بموضوع يعد في دعوة الإخوان المسلمين هو أدق أسرارها، ذلك أنه طلب إليَّ أن أتولى قيادة النظام الخاص، فلم أتوان عن الاعتذار عن إجابة هذا الطلب، فقال لي: أنت موضع ثقتي، ولك صلة قديمة بهذا النظام، والعاملون فيه يكنون لك الحب والثقة والاحترام، وأراك خير من يصلح لهذا المنصب، فقلت له: إنني أعتز بثقتك فيَّ، ولعلك تحس بأنني أبادلك هذه الثقة، وإنني على استعداد أن أكون حيث تريد في هذه الدعوة، ولكن الظروف التي وضعتُ فيها أصبحتْ تحول بيني وبين هذا المنصب، لقد كنت طيلة حياتي أتحاشى الظهور والشهرة، ولقد اعتذرت لهذا السبب عن عضوية مكتب الإرشاد حين عرضتها عليَّ مِن قبْل، ولكن الظروف والاستجابة لنداء الدعوة في أحرج مواقفها أجبرتني أن أتولي عملاً لم يكن لي خيار في تفاديه كان سببًا في توجيه أنظار الجميع إليَّ في أنحاء البلاد؛ أعداءً وأحباءً، وذلك بنشر اسمي تحت قرارات خطيرة في جميع الصحف، ورجل أصبح اسمه على كل لسان لا يجوز أن يتولى عملاً طبيعته السرية.
رابعًا: اقتنع الأستاذ المرشد برأيي، ثم استشارني حول أسماء أخرى، وانتهى الاجتماع الثنائي، وكان الأستاذ المرشد طيلة هذه الجلسة يجلس بجانبي على أريكة بجوار مكتبه.
خامسًا: الأستاذ "حسن الهضيبي" من الشخصيات ذات الخبرة بالأمور السرية، وذات المقدرة على كتمان الأسرار، ولا يمكن أن يكون قد باح بما دار بيني وبينه من حديث لأي إنسان.