المادة الثانية والمادة (219)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما هو موقفك من المادة الثانية من الدستور المصري؟ وما هو موقفك من المادة (219) المفسِّرة لها؟
هذا هو سؤال الساعة، والناس في إجابته مذاهب: فمنهم مَن يعترض على المادة الثانية، ومِن ثَمَّ يعترض على المادة المفسِّرة لها من باب أولى! وقد كفانا الله أمر هؤلاء، فسكت حسهم أو كاد؛ رغم أنهم كانوا الأكثر جلبة في "11 فبراير 2011م"، ولكن حِرص الشعب المصري على هويته قد أثبتَ لهم "أن الإقرار بهذه الهوية جواز مرور للعمل السياسي في مصر"؛ إذن فقد انحسر الخلاف بيْن مَن يقول إن المادة الثانية كافية، ومَن يتمسك ببقاء المادة المفسرة.
وفي الواقع: فإن الأمر يقتضي الرجوع خطوة إلى الخلف ليكون السؤال الأصلي: هل تعتقد فعلاً أن الإسلام دين شامل كامل مصداقًا لقوله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) ؟! أم أنك ممن يتوهمون أن الإسلام مثل بعض الأديان الأخرى التي لا تعدو أن تكون علاقة بين العبد وربه؟!
وهل تعتقد فعلاً بوجوب تحكيم الشريعة مصداقًا لقوله -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ؟! أم أنك ممن يتوهم عدم لزوم تحكيم الشريعة؟
وعلى الرغم من مصادمة ما ألمحنا إليه من أفكار لنصوص القرآن والسنة؛ إلا أن مَن ينادي بها فسيكون بيننا وبينه الدعوة والبيان والمجادلة بالتي هي أحسن، وأما مَن يوافقنا في أن الإسلام جاء بتشريعات في جميع مناحي الحياة، وأن هذه التشريعات واجبة التطبيق؛ فما بقي أن نجيب على السؤال الذي يطرحه بعضهم، وهو: مدى لزوم التعبير عن ذلك في الدستور؟
وفي الواقع: فإن الدستور المصري منذ "1923م" وهو ينتمي إلى الدساتير المتوسطة الطول، حيث دارت عدد مواده حول المائتين، مما يعني أنه ليس بالشديد الاختصار، كما أنه ليس بالمسهب الذي يكاد يكون قانونًا تفصيليًّا.
وهذا ما أعطى فرصة للدستور أن يتضمن مقومات الدولة والمجتمع في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى الحريات وإلى تحديد شكل السلطات الثلاث والعلاقة بينها.
وهذا يجعل مادة الشريعة جديرة بأن توضع دون أن يُعترض عليها بخوف الإطالة، بل لو اعتمد الدستور المصري على الأسلوب شديد الاختصار لوجب وضع هذه المادة.
وهذه المادة أهم في دساتير البلاد الإسلامية من المادة التي تتحدث عن أن الشعب هو مصدر السلطات، وهي أهم مادة في أي دستور ديمقراطي، حيث تكشف هذه المادة عن السلطة المنشئة للدستور، وهي السلطة التي ترسم مسارات السلطات الثلاث وتوضح اختصاصاتها.
وإذا كانت النظم الديمقراطية في البلاد غير الإسلامية والتي تدين بأديان وصفها أصحابها بأنها تمثِّل علاقة خاصة بين العبد وربه قد ارتضت سلطة تأسيسية هي سلطة الشعب؛ فإن النظم الديمقراطية المنضبطة بالإسلام لابد أن تقرر سيادة أعلى، وهي سيادة الله على البشر، وسلطة أعلى هي سلطة الشريعة، ثم تأتي بعد ذلك سلطة الشعب فيما لا يوجد فيه حكم شرعي.
وإذا كان لا يتصور وجود دستور ديمقراطي لا ينص على أن الشعب هو مصدر السلطات؛ فكذلك لا يوجد دستور موافق للشريعة لا ينص على مرجعيتها.
نعم، كان يمكن أن يكتفى بنص دستور "1923م" بأن "الإسلام دين الدولة" لو أنه ترك المجال لهذه المادة أن تفسَّر التفسير الشرعي والقانوني اللائق بها.
فإذا كانت الدولة لا تصلي ولا تصوم؛ فإن النص على أن لها دينًا ليس له معنى إلا أن سياساتها وقوانينها تنبع من هذا الدين، ولكن السماح بمخالفة هذا التفسير لتلك المادة الدستورية في القانون المدني المصري وما تلاه من قوانين أوجد الحاجة إلى النص عن الشريعة، فكان نص دستور "71"، والذي أضاف فقرة: "ومبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع"، ثم كان الاحتيال على هذا المعنى بأن كون الشريعة الإسلامية مصدرًا أساسيًّا لا يمنع من وجود مصادر فرعية، فقام مجلس الشعب في "1980م" بإدخال "ال" على كلمة: (مصدر)، لتصبح (المصدر).
ونصت "مضابط الجلسات" على أنهم ما أرادوا من هذا التعديل إلا التطبيق الشامل للشريعة، ومع هذا الوضوح التام في المضابط، ومع إطلاق مجلس الشعب لمشروع تقنين الشريعة تزامنًا مع هذا التعديل الدستوري؛ إلا أن القضاء -سواء أكانت محكمة النقض أم المحكمة الدستورية العليا- كان مضطربًا في تحديد مدلول هذه المادة رغم أن كلامه كان يمكن قبوله؛ لولا التفسيرات التي خرجتْ من بعض الرموز السياسية، ومنهم بعض رجال القضاء؛ مما يؤكد أن كلمة "مبادئ" هذه تفتح باب تأويل وتهرب وتنصل، ومِن ثَمَّ بدأنا بأسئلة حول مرجعية الشريعة، وعامة القوى السياسية الآن يقولون أنهم يقرون بها، فإذا كانوا يقرون بها وثمة صياغة أثارت الكثير من اللغط؛ فلماذا التمسك بالصياغة المبهمة طالما أن المعنى متفق عليه؟!
ولمزيدٍ من الإيضاح سوف نستعرض رأي المحاكم المصرية بِشأن هذه المادة:
أولاً: رأي محكمة النقض:
جاء في "الطعن رقم 5124 - لسنة 52 ق - تاريخ الجلسة 14-4-1983م": "لما كان ما نص عليه الدستور في المادة الثانية منه أن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع ليس واجب الإعمال بذاته وإنما هو دعوة للشارع كي يتخذ الشريعة الإسلامية مصدرًا رئيسيًّا فيما يستنه من قوانين، ومِن ثَمَّ فإن أحكام تلك الشريعة لا تكون واجبة التطبيق بالتعويل على نص الدستور المشار إليه إلا إذا إستجاب الشارع لدعوته، وأفرغ هذه الأحكام في نصوص تشريعية محددة ومنضبطة تنقلها إلى مجال العمل والتنفيذ، وبالتالي فإنه لا مجال للحكم بأحكام الشريعة الإسلامية ما دام أن السلطة التشريعية لم تفرغ مبادءها في تشريع وضعي".
ومن الواضح أن محكمة النقض في هذا الحكم لا ترى فرقًا بيْن "الشريعة - مبادئ الشريعة - أحكام الشريعة"، ولو استقر القضاء المصري على هذا لما احتاجت المادة أي تعديل.
ثانيًا: رأي المحكمة الإدارية العليا: