المادة الثانية والمادة (219)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
جاء في حكم "المحكمة الإدارية العليا" دائرة توحيد المبادئ بالجلسة المنعقدة علنًا في يوم السبت الموافق "9-6-2007م" والخاصة بتوحيد المبدأ في قضية منع المنقبات من دخول المدارس والجامعات: "ومن حيث إن المستفاد من الشريعة الإسلامية -التي هي المصدر الرئيسي للتشريع حسب نص المادة الثانية من الدستور- أن زي المرأة المسلمة يجب ألا يكون وصَّافـًا يفصِّل أجزاء الجسم ولا شفافـًا أو لافتًا للنظر، وأن يكون ساترًا للجسم كله ما عدا الوجه والكفين، أخذًا بقول الله -تعالى- في سورة الأحزاب: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ... ) (الأحزاب:59) .
أما نقاب المرأة التي تغطي به وجهها، وقفازها التي تغطي به كفيها فجمهور الفقهاء على أن ذلك ليس واجبًا، وأنه يجوز لها أن تكشف وجهها وكفيها؛ أخـذًا من قوله -تعالى-: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا... ) (النور:31) ، حيث فسَّر جمهور الفقهاء من السلف والمعاصرين ما يظهر من الزينة بالوجه والكفين؛ لأن الغالب هو ظهورهما عادة وعبادة، وذلك في الصلاة والحج، فلزم أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما، ولو كانت المرأة مفروضًا عليها شرعًا إخفاء وجهها بنقاب، وكفيها بقفاز ما كان هناك حاجة لأن يأمر الله -تعالى- المؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم في قوله -تعالى-: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) (النور:30) ؛ إذ ليس ثمة ما يبصر حتى يغض عنه.
ومن حيث إنه متى كان ما تقدم، وإذ لم يقم دليل صريح من القرآن والسنة بوجوب إخفاء الوجه والكفين؛ ومِن ثَمَّ فإن ارتداء النقاب ليس محظورًا ولا منهيًّا عنه؛ فهو من المباحات، ولا يجوز إخراجه من أصل الإباحة إلى الحظر المطلق والمنع التام؛ وعليه فإن ستر الوجه والكفين للمرأة المسلمة ليس فرضًا، وإنما يدخل في دائرة المباح! فإن سترت وجهها وكفيها فهو جائز، وإن كشفتهما لاختلاف الأحوال واحتياجها للخروج لبعض شئونها أو للعمل خارج بيتها والتعامل مع جميع الجهات فقد أتت بما رخص لها به في حدود الحاجة والضرورة، وبرأت ذمتها... ".
ومن الواضح أن محكمة القضاء الإداري هنا لا ترى فرقـًا بين المبادئ والأحكام، وأنها رأت أن نقل الجهة الإدارية "النقاب" من رتبة "المباح" -كما تراه!- إلى رتبة "الحظر" غير جائز.
ثالثـًا: المحكمة الدستورية العليا:
الحكم الأول:
تعرضت المحكمة الدستورية العليا للمادة الثانية بعد التعديل في حكمها الخاص بمدى دستورية الفوائد الربوية، والذي حكمت فيه بالجلسة العلنية المنعقدة يوم 4 مايو سنة "1985م"، وجاء فيه: "وحيث إنه يبين من صيغة العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور -بعد تعديلها على نحو ما سلف- أن المشرع الدستوري أتى بقيد على السلطة المختصة بالتشريع قوامه إلزام هذه السلطة -وهي بصدد وضع التشريعات- بالالتجاء إلى مبادئ الشريعة لاستمداد الأحكام المنظمة للمجتمع، وهو ما أشارت إليه اللجنة الخاصة بالإعداد لتعديل الدستور في تقريرها إلى مجلس الشعب، والذي أقره المجلس بجلسة "19 يولية سنة 1979م" وأكدته اللجنة التي أعدت مشروع التعديل وقدمته إلى المجلس.
فناقشه ووافق عليه بجلسة "30 إبريل سنة 1980م" إذ جاء في تقريرها عن مقاصد تعديل الدستور بالنسبة للعبارة الأخيرة من المادة الثانية بأنها: "تلزم المشرع بالالتجاء إلى أحكام الشريعة الإسلامية؛ للبحث عن بغيته فيها، مع إلزامه بعدم الالتجاء إلى غيرها، فإذا لم يجد في الشريعة الإسلامية حكمًا صريحًا فإن وسائل استنباط الأحكام من المصادر الاجتهادية في الشريعة الإسلامية تمكِّن المشرع من التوصل إلى الأحكام اللازمة، والتي لا تخالف الأصول والمبادئ العامة للشريعة".
ولما كان مفاد ما تقدم أن سلطة التشريع اعتبارًا من تاريخ العمل بتعديل العبارة الأخيرة من المادة الثانية من الدستور في "22 مايو سنة 1980م" أصبحت مقيدة "فيما تسنه من تشريعات مستحدثة أو معدلة لتشريعات سابقة على هذا التاريخ" بمراعاة أن تكون هذه التشريعات متفقة مع مبادئ الشريعة الإسلامية، وبحيث لا تخرج -في الوقت ذاته- عن الضوابط والقيود التي تفرضها النصوص الدستورية الأخرى على سلطة التشريع في صدد الممارسة التشريعية، فهي التي يتحدد بها -مع ذلك القيد المستحدث- النطاق الذي تباشر من خلاله المحكمة الدستورية العليا رقابتها القضائية على دستورية التشريعات.
لما كان ذلك، وكان إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع -على ما سلف بيانه- لا ينصرف سوى إلى التشريعات التي تصدر بعد التاريخ الذي فرض فيه الإلزام بحيث إذا انطوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع في حومة المخالفة الدستورية، أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ فلا يتأتى إنفاذ حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها؛ لصدورها فعلاً من قبله، أي في وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائمًا واجب الإعمال، ومِن ثَمَّ فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد، وهو مناط الرقابة الدستورية.
ويؤيد هذا النظر ما أوردته اللجنة العامة في مجلس الشعب بتقريرها المقدم بجلسة "15 سبتمبر سنة 1981م"، والذي وافق عليه المجلس من إنه "كان دستور سنة 1971م أول دستور في تاريخنا الحديث ينص صراحة على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، ثم عدِّل الدستور عام 1980م لتكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وهذا يعني عدم جواز إصدار أي تشريع في المستقبل يخالف أحكام الشريعة الإسلامية، كما يعني ضرورة إعادة النظر في القوانين القائمة قبل العمل بدستور سنة 1971م، وتعديلها بما يجعلها متفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية".