المادة الثانية والمادة (219)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
واستطرد تقرير اللجنة إلى أن: "الانتقال من النظام القانوني القائم حاليًا في مصر والذي يرجع إلى أكثر من مائة سنة إلى النظام الإسلامي المتكامل يقتضي الأناة والتدقيق العملي، ومِن هنا فإن تقنين المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي لم تكن مألوفة أو معروفة، وكذلك ما جدَّ في عالمنا المعاصر وما يقتضيه الوجود في المجتمع الدولي من صلات وعلاقات ومعاملات، كل ذلك يستأهل الروية ويتطلب جهودًا، ومِن ثَمَّ فإن تغيير النظام القانوني جميعه ينبغي أن يتاح لواضعيه والقائمين عليه الفترة الزمنية المناسبة حتى تجمع هذه القوانين متكاملة في إطار القرآن والسنة، وأحكام المجتهدين من الأئمة والعلماء".
ومن الواضح اتجاه المحكمة الدستورية في هذا الحكم إلى عدم التفريق بين المبادئ والأحكام، وإن قضتْ بدستورية الفوائد الربوية بناءً على قرائن أفادت أن هذه المادة خطاب للمشرع وليست مادة نافذة بذاتها، بحيث تبطل جميع التشريعات المخالفة لها تلقائيًّا، بل رأت أنها تبقى نافذة إلى أن يسقطها المشرع بنفسه.
الحكم الثاني:
تعرضت المحكمة الدستورية العليا للمادة الثانية في أثناء نظرها لمدى دستورية حظر النقاب في المدارس، وقضت فيه بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت "18 مايو 1996م"، وجاء فيها: "وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا مطرد على أن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية -بعد تعديلها في سنة 1980م- من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، إنما يتمحض عن قيد يجب على كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية أن تتحراه وتنزل عليه في تشريعاتها الصادرة بعد هذا التعديل -ومن بينها أحكام القرار رقم 113 لسنة 1994م، المفسر بالقرار رقم 208 لسنة 1994م المطعون عليهما- فلا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعًا؛ لأنها تمثِّل من الشريعة الإسلامية مبادءها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً.
ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعًا لتغير الزمان والمكان؛ إذ هي عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها أو الالتواء بها عن معناها.
وتنصب ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية؛ إذ هي إطارها العام، وركائزها الأصيلة التي تفرض متطلباتها دومًا بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيًا وإنكارًا لما علم من الدين بالضرورة، ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها أو بهما معًا؛ ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا، ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة على أن يكون الاجتهاد دومًا واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها، ملتزمًا ضوابطها الثابتة، متحريًا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على: "الدين - والنفس - والعقل - والعرض - والمال".
وحيث إن إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه تطويرًا لقواعد عملية تكون في مضمونها أرفق بالعباد وأحفل بشئونهم وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي تشرع الأحكام لتحقيقها وبما يلائمها، مرده أن شريعة الله جوهرها الحق والعدل، والتقيد بها خير من فساد عريض، وانغلاقها على نفسها ليس مقبولاً ولا مطلوبًا، ذلك أنها لا تمنح أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شئونها قدسية تحول دون مراجعتها وإعادة النظر فيها، بل وإبدالها بغيرها.
فالآراء الاجتهادية في المسائل المختلف عليها ليس لها في ذاتها قوة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز بالتالي اعتبارها شرعًا ثابتًا متقررًا لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهيًا عن التأمل والتبصر في دين الله -تعالى-، وإنكارًا لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد، بل إن من الصحابة من تردد في الفتيا تهيبًا؛ ومِن ثَمَّ صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع من اجتهاد غيره، وربما كان أضعف الآراء سندًا أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفًا لآراء استقر عليها العمل زمنًا، وتلك هي الشريعة الإسلامية في أصولها ومنابتها، متطورة بالضرورة، نابذة الجمود، لا يتقيد الاجتهاد فيها -وفيما لا نص عليه- بغير ضوابطها الكلية، وبما لا يعطل مقاصدها التي ينافيها أن يتقيد ولي الأمر في شأن الأحكام الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور لآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعًا قد جاوزتها.
وحيث إن من المقرر -على ضوء ما تقدم- أن لولي الأمر أن يشرع بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، مستلهمًا في ذلك أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد -مضمونًا ونطاقًا- على ضوء أوضاعها المتغيرة؛ يؤيد ذلك أن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كثيرًا ما قرروا أحكامًا متوخين بها مطلق مصالح العباد طلبًا لنفعهم أو دفعًا لضرر عنهم أو رفعًَا لحرجهم باعتبار أن مصالحهم هذه تتطور على ضوء أوضاع مجتمعاتهم، وليس ثمة دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.