شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات دعوية مع الدعوة في المرحلة المكية (خطبة مقترحة)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- سنة الله في أوليائه المؤمنين وحملة دينة العظيم: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) (إبراهيم:13) ، ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (النمل:56) ، ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) (آل عمران:142) .

3- طبيعة وظيفة الداعي:

- يراد من هذه الوقفة: التنبيه على أن الداعي لا يَعمل في ميدان إصلاح نفسه فحسب، ولكنه يعمل في ميدانين: "إصلاح نفسه، وإصلاح غيره" ونفسه واحدة وغيره كثير، والمحصلة أنه يعيش للناس أكثر من نفسه.

- مشهد التكليف الأول:

( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) (المدثر:1-7) .

1- تكليف بالبلاغ وتحذير الناس من عذاب الله: ( قُمْ فَأَنْذِرْ ).

2- تكليف بالتطبيق في خاصة نفسه ليحرز مرضاة الله ويصير للناس أسوة: ( وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ).

كلمات تعبيرية جميلة يحسن للخطيب ذكرها:

قال المباركفوري -رحمه الله-: "إن مطلع الآيات تضمنت النداء العلوي بانتداب النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذا الأمر الجلل، وانتزاعه من النوم والتدثر والدفء إلى الجهاد والكفاح والمشقة: ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ ) كأنه قيل: إن الذي يعيش لنفسه قد يعيش مستريحًا، أما أنت الذي تحمل هذا العبء الكبير فما لك والنوم؟ وما لك والراحة؟ وما لك والفراش الدافئ والعيش الهادئ والمتاع المريح؟!

قم للأمر العظيم الذي ينتظرك، والعبء الثقيل المهيأ لك، قم للجهد والنصب والكد والتعب، قم فقد مضى وقت النوم والراحة... وما عاد منذ اليوم إلا السهر المتواصل والجهاد الطويل الشاق، قم فتهيأ لهذا الأمر واستعد.

إنها كلمة عظيمة رهيبة نزعته -صلى الله عليه وسلم- من دفء الفراش في البيت الهادئ والحضن الدافئ، لتدفع به في الخضم بين الزعازع والأنواء... ".

وأما الآية الأخيرة ففيها تثبيته -صلى الله عليه وسلم- على ما يلحقه من أذى قومه حين يفارقهم في الدين، ويقوم بدعوتهم إلى الله وحده وتحذيرهم من عذابه وبطشه، فقال: ( وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ).

- الصبر سلاح بقاء الدعوات: قال الله -تعالى-: ( وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا ) (إبراهيم:12) ، (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور) (لقمان:17) ، وقال الله -تعالى-: ( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) (الرعد:24) .

4- معرفة طبيعة مراحل الدعوة وفقه كل مرحلة:

- يراد من هذه الوقفة: التنبيه على خطورة خلط البعض بالفتوى أو بالحماس بين المراحل "دون مراعاة للقدرة والعجز، والقوة والضعف!"؛ فيعرِّض المسلمين للهلكة، والدعوة للخسارة ونفرة الناس.

مراحل الدعوة النبوية:

- الأولى: الدعوة سرًّا ثلاث سنوات -كانت في مكة زمن الاستضعاف-: أسرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعوته ولم يواجه المشركين؛ لأنهم كانوا جفاة لا دين لهم إلا عبادة الأصنام والأوثان، ولا حجه لهم إلا أنهم ألفوا آباءهم على ذلك، والمشاكل عندهم لا تحل إلا بالسيف، ولذلك فإن الحكمة تقتضي عدم المواجهة مع هؤلاء؛ لما فيه من تضييع للنفوس من غير تحقيق أي مصلحة لدين الله.

- الثانية: الدعوة جهرًا وباللسان فقط دون قتال، واستمرت إلى الهجرة: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) (الحجر:94) ، ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) (النساء:77) .

- الثالثة: الدعوة جهرًا مع قتال المعتدين والبادئين بالقتال: واستمرت إلى عام الحديبية -كانت في المدينة زمن قوة وقدرة-: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (البقرة:190) .

- الرابعة: الدعوة جهرًا مع قتال كل مَن وقف في طريق الدعوة أو امتنع عن الدخول في الإسلام: ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ) (التوبة:36) ، ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) (الأنفال:39) .

- من أحكام المرحلة: العمل بطريقتها إذا كان التشابه في أي زمان ومكان.

من كلام العلماء حول مرحلة الاستضعاف وعدم القدرة:

أجمع الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في أعدائهم إذا ما أجمعوا قتالهم فينبغي أن تقدَّم هنا مصلحة حفظ النفس؛ لأن المصلحة المقابلة وهي مصلحة حفظ الدين موهومة أو منتفية الوقوع" (نقله ابن جزي الغرناطي في القوانين الفقهية، والجويني، والنووي -رحمهم الله-) .

وقال العز بن عبد السلام -رحمه الله-: "فإذا لم تحصل النكاية وجب الانصراف؛ لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكفار وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة" (انتهى نقلاً عن وقفات تربوية - د."أحمد فريد") .

- خاتمة: حول الواجب على المسلمين الآن:

- الوقوف على واقعهم وتنزيل أحكام المرحلة المناسبة له مِن مراحل دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- بتجرد وإنصاف وعدل.

الصفحة السابقة الصفحة التالية