مبادرة "زوبع"... بادرة أمل
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد أطلق الأستاذ "حمزة زوبع" المتحدث الرسمي باسم حزب "الحرية والعدالة" مبادرة من "18 نقطة".
يمكن تلخيصها في:
1- اعتراف الجميع بأخطاء المرحلة السابقة، وبادر هو بالاعتراف ببعض الأخطاء.
2- عدم المطالب بعودة د."مرسي" للحكم.
3- التفاهم بشأن إيقاف المواجهة الأمنية، ووضع ضمانات للمشاركة السياسية.
والعجيب أن المبادرة أسخطت الجميع... ! فاعترض عليها:
1- المتحدث الرسمي باسم جماعة الإخوان الأستاذ "جهاد الحداد"؛ ناهيك عن معظم قيادات الإخوان.
2- معظم الرموز الإعلامية والسياسية الممثلون للتيار المسمى: "بالتيار المدني".
في حين لم يصدر أي تعليق رسمي لدوائر الحكم في المرحلة الانتقالية الحالية؛ فلم يصدر تعليق عن القيادة العامة للقوات المسلحة، ولا عن حكومة الدكتور "الببلاوي"، ولا عن الرئيس المؤقت المستشار "عدلي منصور!"، وبالطبع اختلفتْ مبررات كل فريق في موقفه من هذه المبادرة.
وهذا تحليل لموقف كل منهم:
- موقف جماعة الإخوان: عبَّر الأستاذ "جهاد الحداد" عن موقفهم من المبادرة وأنهم ما زالوا على تمسكهم بعودة كل المؤسسات المنتخبة: "الرئيس - والشورى - والدستور"، وتمسك بأن هذا هو الحق من الناحية القانونية والشرعية؛ فأما من الناحية القانونية: فبناءً على أن هذه المؤسسات منتحبة في انتخابات حرة نزيهة، وأما من الناحية الشرعية: فبناها على أننا مطالبون بالأخذ بالأسباب دون أن نتساءل: متى نصر الله؟!
وهي مبررات تبدو وجيهة للوهلة الأولى، ولكنها قد لا تكون كذلك عند التأمل:
فأما من الناحية القانونية والسياسية: فإن شرعية الحاكم الفعلي أيًّا ما يكن طريقة وصوله للسلطة تزل قائمة طالما أن المؤسسات التي تعمل تحت إمرته من جهة، وغالبية الناس من جهة أخرى يرونه حاكمًا شرعيًّا، وتزداد قيمة هذا الأمر إذا كان ذلك الحاكم قد وصل بطريقة نزيهة كالانتخابات الحرة، ولكن شرعية ذلك الحاكم تتحول إلى فعل ماضٍ إذا انقلبت عليه المؤسسات التي تحته ونجحت في ذلك "فيصير انقلابًا ناجحًا"، أو خرج عليه الشعب فأجبره على الرحيل "فتصير ثورة ناجحة" أو حدث مزيج من الأمرين ونجح!
ومِن المعلوم أن: الثورة أو الانقلاب أو المزيج الذي بينهما يُعتبر جريمة كبرى في كل الدساتير والقوانين، ومِن ثَمَّ فإذا فشلت محاولة مِن هذه المحاولات فيعامل القائمون عليها بمقتضى هذه القوانين، ولكن في حالة النجاح يكون هذا تأسيسًا لشرعية جديدة لن تنتظر بطبيعة الحال اعترافًا من "النظام السابق" مهما كان النظام السابق مظلومًا، بل ربما تحاول الانتقام منه بصور سياسية أو أمنية.
إن الإصرار على التمسك بشرعية كانت قائمة وتمت إزالتها قد يُخرج المتمسكون بها خارج التاريخ، نعم هناك نماذج تمتْ فيها عودة حاكم بعد إزاحته، ولكن لكل حالة حساباتها، وإذا ما نظرنا إلى قصر المدة التي قضاها الرئيس "مرسي" في الحكم، ونظرنا إلى انقسام الناس حوله والذي لو افترضنا أن مؤيديه مثل معارضيه فسيكون انحياز جميع مؤسسات الدولة إلى المعارضين كافيًا لترجيح كفتهم، ومن هنا ندرك أن إعادة الدكتور "مرسي" إلى الحكم مطلب يجب تجاوزه.
وقد يقول قائل: إن أمامنا فرصة ألا ندع الانقلابيين ينعمون بحكم الدولة عن طريق الاحتجاجات والمظاهرات، والعصيان المدني...
وغني عن الذكر أن نجاح هذه الوسائل يحتاج إلى درجة التفاف شعبي حولها تفوق عشرات المرات ما هو عليه الآن.
ثم هب أنها مع طول الوقت ستنجح "وسيكون لهذا الأمر بالطبع فاتورة اقتصادية وأمنية باهظة سوف يدفعها المواطن البسيط"؛ فهل نقبَل على أبناء شعبنا ذلك؟!
وإذا كان الحفاظ على أصوات الناخبين حقًّا للمجتمع فماذا يا تُرى سيكون اختيار المواطن إذا خُير بينه وبين الأمن من الخوف والجوع؟!
أظن أن الإجابة معروفة، ولا ينبغي لمن يريد أن يكون في موضع الريادة لشعبه أن يختار اختيارًا يخالف اختياراهم؛ لا سيما في ترتيب الأولويات والمفاضلة بينها عند التعارض.
إن المواطن الذي نخاطبه كدعاة ونسعى لخدمته كجمعيات خدمية، ونريد حكمه كساسة ينطلقون من معاني الرحمة والعدل - يفضل أن تستقر الدولة والاقتصاد على أن يدافع عن اختيار انتخابي تم إسقاطه؛ لا سيما إذا كانت عوامل سقوطه كثيرة... منها: عدم الاستعداد الكافي في هذه المرحلة.
ثم إن عامة خطاب الإخوان طوال فترة حكم "مبارك" أنهم تيار إصلاحي، وأقصد بها هنا المعنى السياسي للكلمة التي تعني أنه تيار قائم على الإصلاح التدريجي في المجتمع، وفي الدولة من باب أولى، ومِن ثَمَّ نريد من الإخوان أن يفترضوا أنه كان هناك رئيس شرعي منتخب "ولكنه ليس منهم" ثم تم عزله مِن قِبَل كل مؤسسات الدولة مؤيدة بتظاهرات شعبية فماذا كانوا سيصنعون؟!
غالب الظن أنهم كانوا سيحاولون منع عزل الرئيس، فإذا حدث وعُزل فإنهم سوف يواصلون جهودهم الإصلاحية في المشهد الجديد.
ولذلك شواهد تاريخية، منها: عزل اللواء "محمد نجيب" الذي حاول الإخوان منعه، ثم اقتنعوا بأنه رغم نزاهته "راحل راحل"؛ فتعاملوا مع "عبد الناصر" كواقع، وإن كانت هذه التجربة بالذات كانت مؤلمة في تاريخ الإخوان؛ إلا أن الخلل فيها لم يكن الواقعية التي تعاملوا بها مع عزل "محمد نجيب" بقدر ما كان عدم الواقعية في التعامل مع "عبد الناصر" بخلفية قديمة دون أن يدركوا واقعه الجديد ويحسنوا التعامل معه! كما بيَّن ذلك الدكتور "محمود عبد الحليم" في كتابه "الإخوان المسلون أحداث صنعت التاريخ".
إننا ندرك صعوبة أن نطالِب الإخوان بهذه الواقعية وهم يشعرون أن تجربتهم في الحكم أُجهضت بفعل فاعل، وأن الأزمات التي عُزل الدكتور بسببها كانت تراكمات سابقة وأن... وأن... ولكن هذا لا يمنع من شيء من النقد الذاتي كهذا الذي قدَّمه الأستاذ "حمزة زوبع"، ولا يمنع من جهة أخرى -وبغض النظر عن الاعتراف بذلك النقد من عدمه- من نوع من "الواقعية" في التعامل مع الأحداث.
وأما مِن الناحية الشرعية: فالأمر فيها أخطر؛ لتردد الكلام عدة مرات من أن أنصار الرئيس "مرسي" ينتظرون الأمر "كن فيكون"؛ قيلت على "منصة رابعة" حتى قال بعض المشايخ: "إن فض اعتصام رابعة مستحيل؛ لأن الملائكة تحرسه!".