شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مبادرة "زوبع"... بادرة أمل

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وقال أحدهم: "من شك في عوده مرسي شك في الله -عز وجل-!".

وهذه أفكار خاطئة شرعًا يتجاوز أثرها تلك الواقعة الجزئية إلى ما هو أخطر منها.

إن الثقة في نصر الله لمن ينصره يجب أن تكون ثقة مطلقة؛ لقوله -تعالى-: ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) (الحج:40) ، ولكن لابد من إدراك أنه مع هذا الوعد فقد تحدث الهزيمة بسبب خطأ ممن يعمل من أجل دين الله، وقد قال -تعالى- لصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم خيرة الخلق بعد الأنبياء: ( قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ) (آل عمران:165) ، وهذا يقتضي مراجعة النفس ومحاسبتها.

وبعض ما ذكره الأستاذ "زوبع" كفيل بنزول عقوبة إلهية، وقد قال الله -تعالى- لصحابة رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) (آل عمران:152) .

ويجب أن ندرك أن الأخذ بالأسباب لا يعني الأخذ بأسباب المواجهة مهما كانت موازين القوى كما يُفهم من كلام الأستاذ "جهاد الحداد"، وكما قيل مرارًا على "منصة رابعة"! بل الأخذ بالأسباب يعني التصرف المناسب الذي يراعي الأسباب المادية.

نعم، حدث ما لا يُحصى من المرات أن الله يعطي المؤمنين نصرًا يفوق ما معهم من الأسباب، ولكن لم يحدث قط أن أغفل النبي -صلى الله عليه وسلم- الأسباب المادية في اتخاذ قرارته؛ فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر الناس يقينًا بنصر الله وهو يأمر أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، ثم وهو يهاجر إلى المدينة، ثم وهو يهم بمصالحة "غطفان" في غزوة "الأحزاب"، ثم وهو يعقد "صلح الحديبية"، والمواقف لا تُحصى كثرة… "مع وجوب إضافة بُعد آخر: أن هذه المواقف كلها كانت بيْن النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين كفار؛ فتطبيقها في الخلاف بين المسلمين -مهما بلغت حدته- يكون من باب الأولى".

إنه ينبغي أن يقوم مَن يتخذ القرار بدراسة كل الاحتمالات، ودراسة المصالح والمفاسد المترتبة على كل احتمال، والمضي قدمًا في الاتجاه الذي يَتوقع أن مصالحه أكبر؛ حتى ولو كان انسحابًا مِن معركة تمثـِّل مواجهة حقيقية قائمة بيْن حقٍ محض وباطلٍ محض، كما فعل خالد -رضي الله عنه- في غزوة "مؤتة"، وأقره النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل وأثنى عليه.

فنحن ندعو "جماعة الإخوان" إلى إعادة قراءة مقال الأستاذ "حمزة زوبع" ودراسة الواقع، وأما أمر الله "كن"؛ فلا نعلمه إلا بعد وقوعه ورؤيته على أرض الواقع، وحين وقوعه فنحن مأمورون بالصبر في الضراء والشكر في السراء، والتعامل وفق الواقع الجديد بالأسباب المادية.

- موقف القوى المدنية:

وإذا كان من المتوقع أن تكون هناك ممانعة إخوانية لفكرة المراجعة واعتبارها تراجعًا وانهزامية فهذه طبيعة الأمور؛ إلا أنها غالبًا ما تكون بداية لانضمام آخرين إلى قافلة المنتقلين من خانة "العاطفة" إلى خانة "التعقل"، ولعل هذا ما اتضح من تصريحات أخرى إيجابية خرجت من د."دراج".

فما بال الجانب الآخر… ؟!

لقد ظهر من جانب القوى المدنية رفضًا انفعاليًّا عجيبًا لفكرة ما أسموه: "بالمصالحة".

وتعددت مبرراتهم… فمنها:

1- قول بعضهم: إنه لا مصالحة على جرائم ارتكبت في حق الشعب المصري، ومنها قتل المتظاهرين.

والجواب: إن أحدًا لم يطالِب بالتصالح حول جرائم متى كانت ثابتة على أصحابها وفق محاكمات عادلة وإجراءات قانونية، ولكن يبدو أن البعض يحبذ الإجراءات الاستثنائية متى كانت موجهة إلى خصمه الفكري أو السياسي!

والكلام هنا عن مئات الآلاف من المواطنين -و99% منهم لم يوجَّه إليهم أي اتهام؛ فضلاً عن ثبوته عليهم- يريدون الحصول على حقوق المواطنة، ويطالب "أحدهم" بإرسال رسائل طمأنة للباقين بأنهم يتعاملون وفق القانون دون التعسف في استخدامه؛ وإلا فلا يعقل أن تكون واقعة اشتباكات مسلحة "مع إدانتنا التامة لها" مبررًا لجعل كل قيادي إخواني أنه حرض عليها بينما كان يجب أن يقتصر الأمر على مَن فعل، ومَن ثبت عليه التحريض؛ على أن يتم ذلك مع الطرف الآخر أيضًا الذي تضفي عليه التحريات وصف "السلمي" في كل الوقائع… بينما الواقع غير ذلك في معظم هذه الوقائع! فطالما أن الأمر متعلق بتهمٍ جنائية وليست سياسية؛ فلتكن موضوعية ومحددة، ومطبقة على جميع أطراف الواقعة.

2- ومِن جهة أخرى: تخوف البعض من أن تكون هذه المبادرة "مناورة"، وهذا منطق لو تم تعميمه لما تم صلح على وجه الأرض؛ لأن أي "مبادرة صلح أو تفاهم" سوف تُترجَم على أنها "مناورة"؛ مما يعني استمرار "أتون الصراعات".

والمناورة تكون مِن طرف يطلب بعض المزايا المسبقة في مقابل وعود مستقبلية بينما لم يزد الأستاذ "زوبع" على مطالبة الجميع بالاعتراف بخطئه وبدأ بنفسه، وهي مسألة يأنف منها الكثيرون "وهو عين الخطأ الذي كانوا يأخذونه على الإخوان"، والبعض يستكثر أن يُقال مثلاً: إن حجم النيران المستخدمة في "فض اعتصام رابعة" لا يتناسب مع حجم السلاح الذي أعلنت الداخلية ضبطه فيها "مع التأكيد على تجريم حمل السلاح"، ولكن نحن نتحدث هنا عن شرطة دورها ضبط الجاني وليس عقوبته فضلاً أن تكون هذا العقوبة بالقتل؛ فضلاً أن يكون هذا القتل له ولبعض مَن تجاور معه ممن لم يرتكب جريمة ولم يشارك فيها! وعامة "معتصمي رابعة" باعتراف بيانات الداخلية ومنشورات القوات المسلحة "التي أُسقطتْ عليهم" مِن هذا النوع.

وأما كونها "مناورة"؛ لإيقاف تعقب المحرِّضين على العنف: فليس فيها ذلك، ومِن حق مَن يتشكك في هذا أن يشترط ألا تتضمن الاستجابة لهذه المبادة غل يد الدولة عن التعامل القانوني مع أي جريمة "سابقة أو لاحقة على هذه المبادرة" وفق الإجراءات القانونية "المعتادة وغير المتعسفة".

3- من جهة أخرى: يعترض البعض على هذه المبادرة بأنها تخالف توجه عامة القيادات، والسؤال: هل نحن راغبون في الصلح أم لا؟

بل دعنا نسأل السؤال بطريقة أكثر دقة -حتى لا يحمل لفظ الصلح معاني لا نقصدها-: هل يرغب جميع الأطراف في حل سياسي للأزمة أم أن بعض "الساسة" يفضِّل الحل الأمني؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية