نصرة الإخوان الأولين لقضية الشريعة!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا يخفى على مسلم وكل عامل لدين الله -تعالى- أنه يجب عليه نصرة الشريعة وأن يكون الحكم لله، أي لكتابه كما قال -سبحانه-: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ ) (يوسف:40) ، وقال: ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) (الشورى:10) .
والحاجة اليوم ماسة من كل مسلم أن يطالِب بذلك، وأن تكون الشريعة هي المرجعية العليا للقوانين في البلاد، ونذكِّر جماعة الإخوان في هذا المقال بمجهودات أوائلهم في نصرة الشريعة والسعي إلى إقامتها في الأرض؛ ليعملوا كعملهم سواء هنا أو في غزة أو في تونس أو غيرها من البلاد... لا هذا الموقف المخزي الذي يذكِّرنا بموقفهم نفسه في اللجنة التأسيسية "2012م" حيث خرج علينا الدكتور "ياسر حمزة" عضو اللجنة القانونية بالحزب يقول: "إن حزبه يؤيد إلغاء المادة (219) من الدستور المنتظر، مشيرًا إلى أن المادة الثانية من الدستور تؤدي نفس الغرض!" (شبكة مصرس الإخبارية) .
وما المادة (219) إلا مادة مفسرة للمجمل في المادة الثانية، كما أنها ضمانة لعدم وجود تشريع يتعلق بالحلال والحرام يخالف شريعة الله -سبحانه وتعالى-، فلمَ الوقوف ضدها من حزب مرجعيته إسلامية؟! والله ما فعل أوائلكم ذلك، بل كان كلامهم واضحًا كالسيف في المطالبة بتحكيم الشريعة ككل متكامل دون تجزئة كما سنري! والله المستعان.
أقول: لن ينصرنا -تعالى- إلا إذا نصرنا دينه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) (محمد:7) ، ولن يرفع الله البلاء عن البلاد والعباد إلا إذا تبنا إليه وأصلحنا ما بيننا وبينه؛ فما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، وأحب أن أبيِّن في هذا المقام أننا نطالب بتطبيق متدرج، لكن بخطوات فعلية على أرض الواقع!
والآن إلى بيان هذه النصرة المشرفة والتي نسأل الله -تعالى- أن يجازيهم عنها خيرًا، وأن يجزي خيرًا كل مَن نصر الإسلام ولو بشطر كلمة!
كان (جمال عبد الناصر) من تشكيلات الإخوان، وكان هناك اتفاق على القيام بالثورة، وعندما جاء الموعد...
يقول الأستاذ (محمود): "جاءنا عبد الناصر وكمال الدين حسين واجتمعا بنا صلاح شادي وأنا والمرحوم حسن العشماوي وفريد عبد الخالق وعبد القادر حلمي، وأبلغنا اعتزامه القيام بالثورة خلال أيام فطلبنا منه الانتظار لحين استطلاع رأي المرشد (الأستاذ الهضيبي)، فطلب استطلاع رأيه أن يتولى الإخوان الحكم بعد نجاح الثورة، وكان المرشد في ذلك الوقت موجودًا بالإسكندرية ولكنه ألح لمعرفة رأيه بسرعة معلنًا أنه سيؤجل الحركة يومًا لهذا الغرض.
وفعلاً سافرت مع حسن العشماوي وعبد القادر حلمي وفريد عبد الخالق إلى الإسكندرية وقابلنا المرشد، فطلب منا إبلاغ جمال عبد الناصر موافقته وتأييده وحمايته للثورة، كما طلب إبلاغه أنه ليس من المصلحة أن تظهر للثورة علاقة بالإخوان؛ حتى لا يتدخل الانجليز لمقاومتها، واقترحت أن يتولى الحكم علي ماهر باشا على أساس أنه غير حزبي -" وهذا يُشبه موقف حزب النور تحقيقًا لمصلحة البلد العامة لا لمصلحة الحزب الخاصة "-، وكان رئيسًا للوزارة وقت وفاة الملك فؤاد، واستطاع أن يقوم بالبلاد وتطمئن له جميع الجهات.
وعدنا إلى القاهرة واتصل صلاح شادي بعبد الناصر، ودعاه للحضور إلى شقة عبد القادر حلمي في صباح اليوم التالي يوم 22 يوليو، وجاء عبد الناصر ومعه كمال الدين حسين وأبلغناه الرسالة، ويقول صلاح شادي مكملاً الواقعة: وقبل أن ينصرف جمال عبد الناصر انتحيت به جانبًا وطلبت أن يقرأ معي الفاتحة أن تكون الحركة لله ولإقامة شرع الله فقرأها معي وتعانقنا وانصرف! وقامت الثورة... ويستأنف صالح أبو رقيق حديثه عن الأيام الأولي للثورة ويقول: ونجحت الثورة وقام رجال الإخوان بحراسة المرافق ليلة الثورة.
وفي الأيام التالية اتصل كمال الدين حسين بصلاح شادي وأبلغه أن قوات بريطانية ستتحرك من السويس إلى القاهرة فأرسلنا مجموعة من الإخوان الفدائيين إلى الكيلو 96 لعرقلة تقدم الإنجليز، وظلوا يحرسون الطريق عدة أيام، وتم أول لقاء بين عبد الناصر والمرشد حسن الهضيبي، وفي يوم 28 يوليو حضر عبد الناصر إلى منزلي حيث كان ينتظره المرشد وعبد القادر حلمي وحسن العشماوي وصلاح شادي، وقال عبد الناصر ونحن نصعد درجات السلم: أنا خايف على الأولاد من نشوة النصر! ووجدتني أقول له بسرعة: نصر إيه ده لسه المشوار طويل عايزين ننظف البلد ونطهرها من الفساد وتقوم المشروعات.
وعندما وصلنا ودخل عبد الناصر وصافح المرشد فوجئتُ به يقول للمرشد: قد يقال لك إن إحنا اتفقنا على شيء، إحنا لم نتفق على شيء! وكانت مفاجأة؛ فقد كان اتفاقنا أن تكون الحركة إسلامية ولإقامة شرع الله، واستمرت المقابلة في مناقشات أنهاها المرشد بقوله لجمال عبد الناصر: "اسمع يا جمال، ما حصلش اتفاق وسنعتبركم حركة إصلاحية إن أحسنتم فأنتم تحسنون للبلد، وإن أخطأتم فسنوجه لكم النصيحة بما يرضي الله" -" وهذا أيضًا موقف حزب النور! "-.
وانصرف جمال وقال لنا المرشد وكأنه كان يستطلع الغيب: الراجل ده ما فهش خير، ويجب الاحتراس منه، وكانت الوزارة قد شكلت برياسة علي ماهر كما اقترحنا، لكن بعد شهور جاءنا جمال عبد الناصر يشكو من علي ماهر ومماطلته في إصدار قوانين الإصلاح الزراعي، وسأل المرشد عمن يتولي الحكم بعده، وكان رأينا أي شخص صالح.
ويضيف صلاح شادي قائلاً: وتم تشكيل وزارة برياسة محمد نجيب وطلب منا جمال عبد الناصر الاشتراك في الوزارة، استدعاني أنا وحسن وكان يوسف صدِّيق حاضرًا، وفاجأنا بقوله: أنا عايز ثلاثة من الإخوان يدخلون الوزارة، فرد يوسف صدِّيق: إحنا هنخليها فقهاء، فقال له حسن العشماوي: ما لهم الفقهاء، ما له واحد زي الشيخ الباقوري بغض النظر عن الموضوع.