نصرة الإخوان الأولين لقضية الشريعة!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
وقال عبد الناصر: إنما كنت اقترحت أنك تدخل الوزارة -والكلام كان موجهًا لحسن العشماوي- أنت ومنير الدلة، ولكن الزملاء معترضين لصغر سنكم وإحنا عايزين ترشحوا لنا اثنين أو ثلاثة، وذهبنا إلى المرشد واجتمع مكتب الإرشاد واتخذوا قرارًا بعدم الاشتراك في الوزارة بعد مناقشات طويلة، فقد رأي البعض أن اشتراكنا في الوزارة سيجعلنا مبصرين بكل الخطوات التي تقوم بها الحكومة، ولكن المرشد كان له رأي آخر وهو أنه: لو حدثت أخطاء من الحكومة فإنها ستلقى على الإخوان فضلاً عن أن رسالة الإخوان كما كان يراها المكتب في تلك الآونة هي عدم الزج بأنفسهم في الحكم" (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ 3/24) " وهذا كان موقف حزب النور من ترشيح رئيس ينتمي للتيار الإسلامي ابتداءً، ولكنا أُكرهنا كالعادة من أطراف عديدة تتحمل ما ترتب عليه من نتائج كارثية! ".
ويقول أيضًا: "فالثورة نبعت من هذه الدعوة، وكانت النتيجة الحتمية لها، والقائمون بالثورة كانوا من صفوفها، ومع ذلك فأكرر ما سبق أن قررته في هذه المذكرات من قبل وهو أن الوصول إلى كراسي الحكم لم يكن هدف الإخوان؛ وإلا لكان ذلك متاحًا لهم من قبل دون القيام بثورة، فقد توالى على دُسَّت الحكم في مصر مَن كان هو وشيعته أدني من شعبة واحدة من شعب الإخوان المسلمين علمًا ومواهب وثروة بالرجال، وإنما كانوا يؤثرون دائمًا أن يجدوا من أتباعهم أو من غير أتباعهم من يلتزم بالحكم بكتاب الله على أن يكونوا هم من ورائه يؤيدونه إذا صدق، وينصرونه إذا التبست عليه الأمور، ويذكرونه إذا نسي، ويسندونه إذا اختل توازنه، ويحمونه من نفسه ومن بطانة السوء، ويقفون حائلاً بينه وبين منحدر الغرور والانحراف.
هذا هو الموقف الذي كان الإخوان قد اختاروه لأنفسهم، وآثروه بما اختاره الإخوان لأنفسهم من موقف؛ ليتجنب كثيرًا مما وقع فيه من أخطاء، وليجد من ورائه من يسدده، ويقبل عثرته ويشير عليه ويبصره، ويحميه من نفسه ومن الانحدار الذي انتهي به وببلاده إلى الكوارث التي خلـَّفها من بعده" (3/59 وما بعدها) .
واقعة طريفة:
وكان الإخوان المسلمون في ذلك الوقت هم مناط الأمل ومتجه الأنظار، صار المركز العام كعبة تأتي إليها الوفود من كل مكان، وأذكر في الأيام الأخيرة قبل الثورة بقليل أن جاء إلى المركز العام شابان أجنبيان يحمل كل منهما حقيبة صغيرة وكاميرا، فتقدمت إليهما مستغربًا فأخبراني بأنهما صحفيان من السويد قدما ليأخذا حديثًا من المرشد العام، وكان المرشد العام منشغلاً مع آخرين، فلما أخبرته بأمرهما طلب مني أن أجلس معهما؛ فجلست إليهما وكان أول سؤال وجهاه إليَّ هو: نحن نعرف أن الإخوان المسلمين يريدون أن يحكموا بالنظام الإسلامي، ولما أحسسنا أن هذا النوع من الحكم أوشك أن يقوم في مصر، فقد رأينا أن نستفسر عن الطريقة التي تنفذون بها الحكم الإسلامي في هذا العصر الذي نعيشه!
ولما طلبتُ منهما أن يحددا لي نواحي الحياة؛ لأشرح لهما تعامل الحكم الإسلامي معها، قال أحدهما: سنأخذ ناحية واحدة من نواحي الحياة مثلاً لذلك، وهي ناحية المواصلات كيف تتعاملون معها بالنظام الإسلامي؟ لقد أصبحت وسائل المواصلات بالترام والقطارات والسيارات، بل والطائرات ضرورة لازمة، فكيف تتعاملون إسلاميًّا مع هذه الوسائل والنظام الإسلامي وسيلة مواصلاته هي الجمال؟! فكان ما سمعته منهما مفاجأة لي اضطررت معها أن أشرح لهما النظام الإسلامي شرحًا مستفيضًا أخبراني بعده أنهما لأول مرة يعرفان هذه الصورة الرائعة عن الإسلام" (3/60) .
وتحت عنوان: الحكم بكتاب الله يقول: "هذه قضية فات أوان أن يرفضها حاكم رفضًا صريحًا نعم، جاء على بلادنا وقت كان الناس يعتبرون مجرد إثارتها نوعًا من الهذيان والرجعية -" قلتُ: وبمجهود الإخوان وغيرهم "- حل محلها الاقتناع بأن الحكم بكتاب الله هو الحكم الأمثل، وأن الشريعة الإسلامية هي السماء التي لا تطاولها سماء في عالم التشريع أيًّا كان مصدر هذا التشريع، استقر هذا الشعور في نفس الحاكم والمحكوم على السواء؛ أما المحكوم فإنه يطالب بالحكم بالشريعة الإسلامية؛ لأنه سيعود بالخير عليه وعلى المجتمع، وأما الحاكم وإن كان مقتنعًا بها، فإن بريق السلطة المطلقة التي لا يحدها قيد، يتلألأ بين عينيه فيبهره ويزيغ بصره، وتتراءى له هذه الشريعة عائقـًا يحد من سلطته!
وقد تبيَّن للقارئ -مما سبق- أن الفئة من الإخوان الذين اشتركوا مع (جمال) في التحضير للقيام بالثورة كانت فئة محدودة العدد، وهذا هو التكتيك السليم في مثل هذه الأمور الخطيرة التي يكون عنصر السرية فيها أهم عناصر نجاحها، وهكذا فوجئ الإخوان في كل مكان بقيام الثورة، ثم اطمأنوا عقب ذلك في الحال إلى أنها ثورتهم، وأخذ الإخوان في جميع أنحاء العالم يستبشرون ويهنئ بعضهم بعضًا لا بأن الحكم قد آل إليهم، وإنما بأن الحكم بكتاب الله قد آن له أن يتحقق، وهو الأمل المنشود، والهدف الذي من أجل الوصول إليه اقتحم الإخوان الأهوال، واستعذبوا مرارة الموت!
كان الإخوان في شعور غامر من السعادة وخف كثير منهم إلى أعضاء مجلس الثورة يتبادلون العناق والقبلات، ولكن المرشد العام عرف كيف يستغل (جمال عبد الناصر) طبيعة تكتيك الثورات من ضآلة عدد المشتركين في الإعداد لها، كما استغل ما اتفق عليه من نفس المرشد علاقة الثورة بالإخوان حرصًا عليها، وبناءً على ذلك استطاع أن يتملص من العهود والمواثيق، وإزاء ذلك رأى المرشد العام نفسه أمام حكومة غير ملتزمة، وأن عليه أن يتعامل معها برفق، وأن يتقدم إليها -على أساس أنها مجرد حركة إصلاحية- داعيًا إلى الحكم بالقرآن، شارحًا لها مزايا ذلك الحكم وموضحًا لها أن هذا الحكم لا يتعارض مع وجود أجناس وأديان أخرى في البلاد، داعمًا شرحه بالحجج والأسانيد، ومزيلاً ما عسى أن يثار من شبه حول عدالة الحكم الإسلامي حيث يتمشى مع العقل وطبيعة الحياة.