تكذيب المبطلين لدعوة سيد المرسلين (خطبة مقترحة)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- حملة إعلامية لتشويه صورة الدعوة وحاملها: لما قرب موسم الحج وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم، فرأت أنه لابد من كلمة يقولونها للعرب في شأن محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب - اجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في تلك الكلمة، فقال لهم الوليد: أجمعوا فيه رأيًّا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا. قالوا: فأنت فقل وأقم لنا رأيًّا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا أسمع.
قالوا: نقول: كاهن. قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزَمْزَمَة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِه ولا وسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رَجَزَه وهَزَجَه، وقَرِيضَه ومَقْبُوضه ومَبْسُوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنَفْثِهِم ولا عقْدِهِم.
قالوا: فما نقول؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لعَذَق، وإن فَرْعَه لجَنَاة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرِّق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك!" (الرحيق المختوم) .
وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه، فجلسوا بسبل الناس حين قدِموا للموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره!.
4- كيف واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك؟
- التزود بالصبر وكثرة الطاعة: ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (الحجر:97-99) ، ( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ) (طه:130) ، ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (يوسف:90) .
ـ المضي بالدعوة إلى آخر العمر: قال في الرحيق المختوم: "أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخرج يتبع الناس في منازلهم، وفي عُكَاظ ومَجَنَّة وذي المَجَاز يدعوهم إلى الله، وأبو لهب وراءه يقول: "لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب!".
5- وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم:
وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم بخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها، وأسلم كثير من أفاضل العرب.
ـ دعاية مجانية للإسلام: ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ ) (فاطر:43) .
- إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي: كان الطفيل قد قدِم مكة في هذا الموسم فوجدهم يقولون: احذروا محمدًا، احذروا فتى عبد المطلب، إنه يفرق بين المرء وأخيه، والمرء وأبيه، والمرء وزوجته، يقول: حتى جعلتُ الكرسف في أذني حتى لا أسمع محمدًا! فقلتُ لنفسي: أنت رجل من أهل الشعر والبلاغة واللغة؛ فكيف لا تسمع كلامه وتحكم عليه؟! قال: فذهبت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقلت: اعرض عليَّ ما عندك، قال: فعرض عليَّ الإسلام وقرأ عليَّ القرآن، فأسلمت وشهدت الشهادتين، فقلت: يا رسول الله علمني من الإسلام ما أدعو به قومي".
- إسلام ضماد الأزدي: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ ضِمَادًا، قَدِمَ مَكَّةَ وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ، قَالَ فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللهَ يَشْفِي عَلَى يَدِي مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ ) قَالَ: فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَلاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَعَلَى قَوْمِكَ )، قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي" (رواه مسلم) .