شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ماذا جنت "لجنة الخمسين ومن عينها" على الإسلام والمجتمع المصري؟!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان اختيار الشعب المصري في أول استفتاء حقيقي ونزيه بعد ثورة "25 يناير" في "19 مارس 2011م" محددًا بوضوح لا لبس فيه أن تكون الهيئة التأسيسية التي تصنع مشروع الدستور المصري الجديد -وهي في الحقيقة أعلى من السلطة التنفيذية والتشريعية؛ لأنها التي تحدد صلاحياتهما- بالانتخاب من الأعضاء المنتخبين لمجلس الشعب والشورى.

وقد كانت أنزه انتخابات وقعتْ في التاريخ الحديث للشعب المصري منذ ثورة "23 يوليو" إيذانًا باختيار الشعب لطريقة هي أقرب الطرق الحديثة إلى الشورى بعيدًا عن طريقة الغوغائية أو الديكتاتورية المستبدة.

وبعد "30 يونيو 2013م" جاء القرار بأن اللجنة التي تعد التعديلات الدستورية وتناقشها ستكون بالتعيين من رئيس الجمهورية المؤقت المعيَّن أيضًا بخطاب القوات المسلحة في "3-7-2013م" الذي لم يتضمن نصًّا صريحًا في طريقة تشكيل اللجنة -لجنة الخبراء، ولجنة الحوار المجتمعي- التي جاءت بمنزلة الهيئة التأسيسية.

وجاء هذا القرار مخالفًا لإرادة الشعب المصري في طريقة تشكيل هذه اللجنة، وكل ذلك خلافًا لما نص عليه الدستور المعطل "مؤقتـًا" وليس ملغيًّا كما أراد البعض في جلسة "3-7-2013م" التي شهدت ميلاد خارطة الطريق!

ومع أن الدستور المُستفتى عليه في "2012م" كان لا يصح تعديله افتئاتًا على الشعب بهذه الطريقة؛ إلا أن الظروف الحرجة العصيبة التي تمر بها البلاد وخطر انهيار الدولة الذي راهن عليه البعض في الداخل والخارج، وتقديم مصلحة الأمة على مصلحة الجماعة والحزب - هي التي دفعتْ "حزب النور" إلى قبول خارطة الطريق، ثم قبوله المشاركة في "لجنة الخمسين" رغم الظلم الذي تعرضت له الأحزاب الإسلامية في معايير التعيين التي جعلت تعيينهم في التمثيل 4% من اللجنة "أي: عضوان من خمسين!".

ثم جاء التعيين صادمًا بخلاف هذه المعايير أيضًا؛ حيث تم تعيين عضو واحد فقط من "حزب النور" وتعيين عضو آخر لا يمثـِّل أي حزب من الأحزاب الإسلامية، ولم يرشحه أي منها!

وجاء تشكيل اللجنة عجبًا من العجائب؛ إذ أنهم ممن يجزم الجميع بأنهم لا يمثـِّلون أغلبية في الشعب المصري؛ بدليل جميع الانتخابات التي تمت.

وتكونت أغلبية مطلقة من خلال اختيار أشخاص لهم انتماءات سياسية وفكرية وحزبية واضحة غاية الوضوح، معروفة بالليبرالية "والليبرالية المتطرفة"، واليسارية "واليسارية المتطرفة"، شديدة العداء لكل ما هو إسلامي!

ثم جاء عمل "لجنة العشرة" أيضًا صادمًا؛ إذ جاء مخالفًا لما تم الاتفاق عليه من كل القوى السياسية المشاركة في خارطة الطريق من عدم المساس بمواد الهوية: (2 - 4 - 81 - 219)، والتي وضعها الرئيس المؤقت -رئيس المحكمة الدستورية- ضمن المادة الأولى في الإعلان الدستوري الذي أصدره بعد توليه، ولو لم يكن هناك اتفاق هو مطلع عليه وقد أكده في أول اجتماع له بالقوى السياسية، وأكد للجميع بمن فيهم جبهة الإنقاذ وحركة تمرد، وسبق التزام الأزهر والكتلة بعدم المساس بهذه المواد - لو لم يكن هناك اتفاق أو كان هناك عوار دستوري -كما يزعم البعض!- لما وضعه الرئيس المؤقت في الإعلان الدستوري الذي بالتأكيد شارك فيه خبراء دستوريون.

جاء عمل لجنة العشرة معدلاً في (المادة 4) وحاذفـًا قيد الانضباط بمقومات الدولة والمجتمع في (مادة 81)! ولا أدري: هل يريدون هدم مقومات الدولة والمجتمع أم إهمالها في مقابلة الحقوق والحريات الفضفاضة الألفاظ والتطبيقات؟!

أم هل يسعدهم أن يشاهدوا في الشوارع المصرية حملات الأحضان المجانية " free hugs " التي تريد التخلص من التقاليد "البالية في زعمهم" التي يلزمهم بها المجتمع؟!

أم هل يسعون إلى إقرار حفلات ممارسة الجنس الجماعي ضمن طقوس "عبدة الشيطان" والتي وقعتْ بالفعل في زمن "مبارك"، وفي بداية ثورة "25 يناير"، وقد قدمتُ بنفسي أوراق دعاية حفلات مشبوهة للجهات المسئولة لاتخاذ اللازم في أول "2011م"؟! فلسنا بعيدين عن هذه الضلالات -كما يزعم البعض!-.

ثم لماذا نضع في دستور يعبِّر عن شعبنا وعقيدته ودينه هذه الألفاظ المجملة والعامة التي تجعل الجهات القضائية ملزمة دستوريًّا بإقرار هذه الحريات المزعومة؟!

وكذلك أوصتْ اللجنة بحذف (المادة 219) بزعم العوار الدستوري "الذي خفي على رئيس المحكمة الدستورية والخبراء المشاركين حين وضع الإعلان الدستوري!".

ثم كان ما هو أطم وأخطر مِن التقاط كل ما يشير من قريب أو بعيد للهوية الإسلامية والأخلاق والعروبة -حتى مادة حظر سب أنبياء الله ورسله- وحذفه من مشروع التعديلات، مع تحجيم واضح لصلاحيات الهيئات المنتخبة، ومنع وإلغاء فكرة الانتخاب في كثير من الهيئات بعد إقرارها في دستور "2012م" المستفتى عليه.

ثم جاءت الصدمة أعظم فيما تفعله "لجنة الخمسين" ومناقشتها مواد "دستور 2012م" مادة مادة كأنها تضع دستورًا جديدًا وليس فقط تناقش التعديلات التي قدمتها "لجنة العشرة" كما نصت عليه خارطة الطريق والإعلان الدستوري الصادر عن الرئيس المؤقت، وهو التفات أكيد وواضح من أجل إلغاء الدستور المُستفتى عليه وكتابة دستور جديد باسم التعديل مع أن الجميع لم ينتخبهم الشعب المصري ولم يفوض هؤلاء الأشخاص!

ومهما كان عدد الخارجين في "30-6"... فإنهم لم يكونوا يطالبون بإسقاط الدستور، ولا أعطوا أحدًا تفويضًا بذلك، وإنما طالبوا برحيل الدكتور "مرسي" والإخوان؛ فمن أين لكم أن تجنوا كل هذه الجنايات على الهوية الإسلامية والمجتمع المصري؟!

هل تضعون دستورًا لأنفسكم أم للشعب المصري؟!

هل تعبِّرون عن وجهة نظركم الشخصية أم أنتم ممثلون للشعب المصري؟!

وجاءت المقترحات المستفزة التي أصابت البعض بالقيء والغثيان، وارتفاع ضغط الدم حقيقة لا مجازًا؛ حتى خشينا بالفعل أن نصاب بـ"جلطة في المخ أو القلب" من نحو إضافة كلمة "مدنية" وصفًا للدولة، وقد قتلت بحثـًا في "اللجنة التأسيسية لدستور 2012م"، ورفضت بأغلبية ساحقة شارك في رفضها "الأزهر الشريف".

ومن نحو المطالبة بحذف خانة الديانة، وخانة النوع "ذكر أو أنثى" بزعم المساواة بين الرجل والمرأة؛ كأن الحذف هو الذي سيسوي بينهما!

الصفحة التالية