شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الغناء من الإقصاء إلى التكفير!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد انتشرت في الآونة الأخيرة دعوات التكفير والتخوين والإقصاء، وتقاذفها الجميع فيما بينهم كما يتقاذف الأطفال الكرة، وكل يدعي أنه مجرد رد فعل وأن الآخر كان هو الفعل.

وبلغ الأمر مبلغه بدخول "الغناء" على خط الشماتة!

وقد استمعتُ إلى مقطع فيديو لأحد المطربين، ورغم أنه "يتبنى أن الجيش والشرطة اُضطروا إلى استعمال القوة في فض اعتصام رابعة؛ إلا أنه انتقد بعض الأغاني التي تمجد هذا الفعل بنغمات فيها بهجة وسرور، مع أن الشعور الذي كان ينبغي نقله إلى المستمِع مِن وجهة نظره هو شعور الحزن الذي يخيم على مَن يضطر إلى قتل نفس مهما كان الفعل الذي اضطره إلى ذلك"، ولكن موسم المزايدات لا يعترف بمثل هذه المعاني الإنسانية!

ثم ظهرت أغانٍ أخرى، وكان مِن أكثرها إثارة للجدل أغنية: "إحنا شعب وانتو شعب، ورغم إن الرب واحد لينا رب وليكو رب!"، وهي الأغنية التي أثارت استياء الكثيرين -وبعضهم من الوسط الفني-، وقد ردَّ مؤلف وملحن الأغنية بردود ملخصها أن الأغنية فُهمت خطأ، وهو العذر الذي لم يقبل من أنصار الإخوان قبل ذلك، ولا يمكن قبوله من أي أحد بالذات حينما يتعلق الأمر بقضية خطيرة مثل قضية التكفير أو التخوين.

ويزداد الأمر خطورة حينما يكون ذلك عبر الغناء الذي يردده جمهور متنوع ليس لديه الحصانة الفكرية مما يترسب في عقله الباطن من أفكار، وبينما كان التكفير العقدي لا يمر إلا عبر منظومة فكرية معينة لا تنتشر إلا بوسائل محدودة الانتشار؛ فقد أصبح "التكفير الغنائي" الآن وسيلة طيارة تحملها الميكروباصات والحافلات فضلاً عن التكاتك!

إن التكفير في صورته العقدية المرادف للإقصاء في صورته السياسية، وأخيرًا التكفير والإقصاء معًا في صورته الغنائية هو نتاج مزاج نفسي منحرف يريد أن يستعلي على الآخر أو أن يهزمه فكريًّا بعيدًا عن مجال المجادلة بالتي هي أحسن، لقد بلغ هذا التعالي الكاذب ووهم التفرد برجل أن يقول للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ! ) (رواه البخاري ومسلم) ، وقد شاء الله -عز وجل- أن يكون الخوارج من نسل ذلك الرجل.

إن التكفير عند البعض لا يعدو أن يكون أسلوبًا لإغاظة الخصم عن طريق سلبه دينه أو وطنيته أو شرفه، فهو لا يعدو عند البعض أن يكون أسلوبًا من أساليب الشتم والسب، وإذا كان الشرع قد حرَّم السب والشتم إذ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيِّ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) ؛ إلا إنه شدد في أمر التكفير خاصة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ) (متفق عليه) .

ومن ناحية أخرى: فإن المتتبع لخطاب الأنبياء والمرسلين مع المشركين من أقوامهم يجد أنه ألين بكثير من الخطاب الذي يتراشق به المسلمون مع بعضهم البعض.

فذكر الله حوار نوح -عليه السلام- مع قومه: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ . قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ . قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ . أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ . أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ . فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ) (الأعراف:59-64) .

فتأمل هذا الصبر والحلم من نوح -عليه السلام- مع قومه، مع كفرهم وعنادهم وطول نفسهم في ذلك الأمر، وقد حكى الله -عز وجل- مثل ذلك الحوار بين عامة الأنبياء وأقوامهم.

وقد حكى الله مثل ذلك عن أتباع الأنبياء، فذكر حوار مؤمن آل فرعون مع قومه: ( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ . يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ . مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ . وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ . تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ . لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ . فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (غافر:38-44) .

وهذا لا يمنع من التبرؤ من الشرك كما أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (يونس:41) ، وقال: ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هَُوَ أَهْدَى سَبِيلاً ) (الإسراء:84) .

فحبذا لو اقتصر الإنسان على التبرؤ من الأفعال التي يرى خطأها دون أن يحاول أن يجرد صاحبها من دينه أو من وطنيته؛ لا سيما إن كانت هذه الأفعال تدخل في نهاية المطاف في باب الاجتهاد السياسي أو كانت حتى من باب كبائر الذنوب والمعاصي.

الصفحة التالية