الغناء من الإقصاء إلى التكفير!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
وإليك هذا النص من درر كلام العلامة "الطاهر بن عاشور" -رحمه الله- في خطورة دعاوى التكفير ومفاسدها الاجتماعية "فضلاً عن العقدية": ولهذا اتفق جمهور الأمة المقتدَى بهم على أن المعاصي لا تخرِج المسلم من حظيرة الإيمان، وشذت الخوارج فكفروا مرتكب الذنب بسبب الذنب، وقالوا: هو كافر، وسموه كافر نعمة إلا أنه لا يعامل معاملة المرتد ولا يجاهد، وشذت المعتزلة فقالوا: هو مؤمن، لكنه خالد في النار كالكافر، ويسمونها منزلة بين المنزلتين، ولا يرتفع عن المعاصي ذلك عند الفريقين إلا إذا تاب.
وهذان مذهبان من أكبر الأخطار على الإسلام؛ لما يقتضيان من يأس العاصي في حال دوامه على المعصية، فلعل ذلك اليأس يخرجه عن ربقة الإسلام، ولما في مذهب الخوارج خاصة من انحلال الجامعة الإسلامية؛ لأن الذنوب لا يسلم منها إلا المعصوم، فلو راعى المسلمون مذهب الخوارج لكان إعلان الكفر والردة أهون على العاصي من البقاء في الإسلام مع معصيته؛ لأنه يثقل نفسه بقيود، ولا ينتفع برضا معبوده.
ومن توابع مقصد عموم دعوة الإسلام لسائر البشر تكثير سواد أتباعه بقدر الإمكان وصولاً إلى تعميمه، وتسهيل سبل الدخول فيه على راغبيه؛ ولذلك كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يَعرض الإسلام على قبائل العرب، ويخاطب به رؤساء الأمم القاصية عنه؛ ليكونوا دعاة رعاياهم إلى الدخول في الإسلام، ويسجل عليهم إن هم أعرضوا بأن عليهم إثم أقوامهم، فكان من الفقرات التي لا تخلو عنها كتبه إلى رؤساء الأمم: "فإن توليت فإن عليك إثم كذا"، وقال الرسول في الحديث الصحيح: ( فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ ) (متفق عليه) ، وقال في شأن المشركين من العرب: ( بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئا ) (متفق عليه) ، وقال لعلي -رضي الله عنه-: ( فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) (متفق عليه) ، وأعان على ذلك بالتيسير فقال: ( يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا ) (متفق عليه) ، وكان يتألف الداخلين في الإسلام في مدتهم الأولى فيوفي لهم العطاء، ويجعل لهم حظـًّا من مال الزكاة، وآثار الشريعة مفعمة بدلائل هذا المعنى.
وكما عني الإسلام بتأسيس هذه الجامعة وتسهيل الدخول إليها وتكثير سواد أتباعها أحاطها بسياج مانع من اطراد أهلها بعضهم بعضًا، ففي الحديث: ( أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا ) (متفق عليه) ، وفي الحديث الآخر أن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله عندما أهوى إليه بالرمح، فلما بلغ ذلك رسول الله قال لأسامة: ( يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ )، وجعل يكررها... حتى قال أسامة: "حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ" (متفق عليه) ، وكذلك وقع لخالد بن الوليد -رضي الله عنه- في بني هُدية عندما غزاهم من جذيمة فلم يستطيعوا أن يقولوا أسلمنا فقالوا: صبأنا، فجعل خالد بن الوليد يقتل، فلما بلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ ) (رواه البخاري) .
وفي الختام: ننصح الشعراء أن يراجعوا قوله -تعالى-: ( وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ . أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ . وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ . إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (الشعراء:224-227) .
فليجتهد كل منهم أن يكون من هؤلاء الذين يصلحون، وليس من هؤلاء الذين هم في كل وادٍ يهيمون، كما ننصح كل مَن رُمي بمثل ذلك أن يصبر ولا يرد الخطأ بمثله، وله في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة وهم خير الخلق بعد الأنبياء، وقد كفَّرهم الخوارج غير ملتفتين لعلمهم وسبقهم وفضلهم! فلم يردوا الخطأ بمثله رغم أن تكفير الصحابة يتضمن تكذيبًا بنصوص شرعية، لو سلم الخوارج عن الشبهة لوجب تكفيرهم من أجل تكذيب هذه النصوص إلا أن الصحابة استصحبوا وجود شبهات لديهم فلم يكفروهم.
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في شأنهم: "ومع هذا فلم يكفرهم الصحابة، بل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- الذي قاتلهم حكم فيهم بحكمه في المسلمين الجاهلين الظالمين، لا بحكمه في الكافرين المشركين وأهل الكتاب، وكذلك الصحابة كسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- ذكروا أنهم من المسلمين، هذا مع أن الخوارج كفَّروا عثمان وعليًّا -رضي الله عنهما- ومن والاهما، وكانوا يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، وقد قتلوا من المسلمين ما شاء الله!".
نسأل الله -تعالى- أن يعصمنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.