شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأب الصالح ودوره في التربية وصناعة الرجال

زين العابدين كامل • أطفالنا

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الناظر في واقعنا المعاصر، والمتأمل في حال شبابنا وأبنائنا يعلم علم اليقين أننا في أمس الحاجة لوقفة مع تربية الأبناء، فنحن جميعًا نريد لأبنائنا الخير، وأن يعيشوا عيشة كريمة وحياة طيبة؛ لذا نحرص على تعليمهم وتثقيفهم، وننفق عليهم الكثير من الأموال، ولكن لابد أن ننظر إلى أمر آخر: كم سيمكث أبناؤنا في القبر وفي الآخرة؟ فإذا كنا نهتم بحياتهم الدنيوية مع علمنا بأنهم لن يعيشوا فيها إلا سنوات قليلة بالنسبة للآخرة؛ فأولى بنا أن نهتم بحياتهم الأخروية "القبر وما بعده"، وأن نتعلم من كتاب الله -تعالى- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- كيف تكون عناية الآباء والأمهات بأبنائهم، وحرصهم على هدايتهم ونجاتهم.

- نوح -عليه السلام-:

قال الله -تعالى- في قصته مع ابنه: ( وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ . قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) (هود:42-43) . أي: ( وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ ) لما ركب، ليركب معه ( وَكَانَ ) ابنه ( فِي مَعْزِلٍ ) مبتعدًا عنهم حين ركبوا وأراد منه أن يقرب ليركب، فقال له: ( يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ) فيصيبك ما يصيبهم.

فـ( قَالَ ) ابنه: ( سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ) أي: سأرتقي جبلاً أمتنع به من الماء، فـ( قَالَ ) نوح: ( لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ )، فلا يعصم أحدًا جبل ولا غيره، ولو تسبب بغاية ما يمكنه من الأسباب، ( وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ ) الابن ( مِنَ الْمُغْرَقِينَ ).

( وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (هود:45-47) .

قوله -عز وجل-: ( وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ) أي: وقد قلت لي: ( احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ ) ولن تخلف ما وعدتني به، ولعله -عليه السلام- حملته الشفقة وأن الله وعده بنجاة أهله فظن أن الوعد لعمومهم؛ من آمن، ومن لم يؤمن، فلذلك دعا ربه بذلك الدعاء، ومع هذا ففوض الأمر لحكمة الله البالغة، فـ( قَالَ ) الله له: ( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) الذين وعدتك بإنجائهم ( إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) أي: هذا الدعاء الذي دعوت به لنجاة كافر، لا يؤمن بالله ولا رسوله، ( فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) أي: ما لا تعلم عاقبته ومآله، وهل يكون خيرًا أو غير ذلك، ( إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) أي: أني أعظك وعظًا تنجو به من صفات الجاهلين.

فحينئذٍ ندم نوح -عليه السلام- ندامة شديدة على ما صدر منه، و( قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) فبالمغفرة والرحمة ينجو العبد من أن يكون من الخاسرين، ودل هذا على أن نوحًا -عليه السلام- لم يكن عنده علم بأن سؤاله لربه في نجاة ابنه محرم داخل في قوله: ( وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) بل تعارض عنده الأمران، وظن دخوله في قوله: ( وَأَهْلَكَ )، وبعد ذلك تبيَّن له أنه داخل في المنهي عن الدعاء لهم، والمراجعة فيهم.

- زكريا -عليه السلام-:

قال الله -تعالى-: ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ) (آل عمران:38) ، أي: دعا زكريا -عليه السلام- ربه أن يرزقه ذرية طيبة، أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم، فاستجاب له دعاءه كما قال -تعالى-: ( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) (الأنبياء:89-90) ، أي: واذكر عبدنا ورسولنا زكريا منوهًا بذكره، ناشرًا لمناقبه وفضائله التي من جملتها هذه المنقبة العظيمة المتضمنة لنصحه للخلق ورحمة الله إياه، وأنه ( نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا ) أي: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) (مريم:4-6) .

الصفحة التالية