شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأب الصالح ودوره في التربية وصناعة الرجال

زين العابدين كامل • أطفالنا

من هذه الآيات علمنا أن قوله: ( رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا ) أنه لما تقارب أجله خاف أن لا يقوم أحد بعده مقامه في الدعوة إلى الله والنصح لعباد الله، وأن يكون في وقته فردًا، ولا يخلف من يشفعه ويعينه على ما قام به ( وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) أي: خير الباقين، وخير من خلفني بخير، وأنت أرحم بعبادك مني، ولكني أريد ما يطمئن به قلبي وتسكن له نفسي ويجري في موازيني ثوابه ( فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى ) النبي الكريم الذي لم يجعل اللَّه له من قبل سميًّا ( وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ) بعد ما كانت عاقرًا لا يصلح رحمها للولادة فأصلح الله رحمها للحمل لأجل نبيه زكريا، وهذا من فوائد الجليس والقرين الصالح أنه مبارك على قرينه فصار يحيى -عليه السلام- مشتركًا بين الوالدين.

ولما ذكر هؤلاء الأنبياء والمرسلين كلاً على انفراده أثنى عليهم عمومًا، فقال: ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ) أي: يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها إلا انتهزوا الفرصة فيها ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) أي: يسألوننا الأمور المرغوب فيها من مصالح الدنيا والآخرة ويتعوذون بنا من الأمور المرهوب منها من مضار الدارين، وهم راغبون راهبون، لا غافلون لاهون ( وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) أي: خاضعين متذللين متضرعين؛ وهذا لكمال معرفتهم بربهم.

- لقمان الحكيم -عليه السلام-:

قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان:13) ، وهذه هي البداية الصحيحة أن نبدأ بالتوحيد أولاً، ثم علَّمه معنى المراقبة: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان:16) ، ثم أتم له حقوق الله -تعالى-: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ) (لقمان:17) .

ثم علمه حقوق الناس عليه وكيف يتعامل معهم: ( وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ . وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) (لقمان:18-19) .

والله -تعالى- لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار، فقال: ( وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ) قال له قولاً به يعظه بالأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، فأمره بالإخلاص ونهاه عن الشرك، وبيَّن له السبب في ذلك فقال: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) ووجه كونه عظيمًا: أنه لا أفظع وأبشع ممن سَوَّى المخلوق من تراب بمالك الرقاب، وسوَّى الذي لا يملك من الأمر شيئًا بمن له الأمر كله!

( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ) التي هي أصغر الأشياء وأحقرها ( فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ) أي في وسطها ( أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ ) في أي جهة من جهاتهما ( يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ) لسعة علمه وتمام خبرته وكمال قدرته، والمقصود من هذا الحث على مراقبة الله والعمل بطاعته مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح قَلَّ أو كَثُرَ.

( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ) حثه عليها، وخصها؛ لأنها أكبر العبادات البدنية ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه، والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به من الرفق والصبر، وقد صرح به في قوله: ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ).

وهذه أصول يجب العلم بها في أمر التربية وغيرها:

1 - الإيمان أن هداية التوفيق والتسديد والتثبيت بيد الله -تعالى-، قال الله -عز وجل-: ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين ) (القصص:56) ، فلا يهتدي مهتدٍ، ولا يهديه هادٍ إلا بتوفيق الله.

2- الإيمان بأن الله -تعالى- عَلِمَ هداية المهتدين وضلال الضالين في علمه السابق، قال الله -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير ) (التغابن:2) .

3- الإيمان بأن ذلك التفاوت من الشقاوة والسعادة لحكمة عظيمة جعلها الله -سبحانه- من أمور الغيب، وأوجب على عباده الإيمان بها، والتسليم بأن ذلك عين الحكمة والعدل والرحمة.

4- الإيمان بأن الله قادر على أن يجعل الناس كلهم مؤمنين، قال الله -تعالى-: ( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُوْنُوا مُؤْمِنين ) (يونس:99) .

5- التبرؤ من الحول والقوة؛ إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن يخاف المؤمن سوء الخاتمة فهو لا يدري بما يختم له، وهذا نبينا -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( يا مُقَلِّبَ القُلوبَ ثَبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينِك ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، فلا أحد يملك من الأمر شيئًا؛ فالأمر كله بيد الله.

6- الإيمان بأن الله -تعالى- يجيب الدعوات، فينبغي للعبد أن يسأل الله -تعالى- الذرية الصالحة، ويسأله صلاحها، ويلح في ذلك كما هو حال الأنبياء والصالحين: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) (الفرقان:74) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية