شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نظرة الإخوان الأولين للأحزاب السياسية

عصام حسنين • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيقوم نظام الحكم في النظم الديمقراطية النيابية على إقامة الأحزاب وتعددها، فتعددها هو روحها المحركة لها وإلا فهي موات، والحزب السياسي على مفهومها هو: "طائفة متحدة من الناس تعمل بمختلف الوسائل الديمقراطية للفوز بالحكم بقصد تنفيذ برنامج سياسي معين".

وذكروا مِن مميزاتها: تعميق الوعي السياسي لدي الشعب بما تقوم به من طرح المشاكل وسبل علاجها، وأنها همزة الوصل بين الحاكم والمحكوم، وتحقق الاستقرار السياسي نتيجة تعبير كل حزب عن رأيه دون مصادرة فيحول دون أعمال العنف ونشأة الجيوب السرية التي تهدد أمن المجتمع.

وذكروا من عيوبها: تشرذم الأمة؛ لأن كل حزب يهاجم الآخر بغية إضعافه، وتفريق الأمة، وإشاعة الأحقاد؛ مما يبدد جهود الدولة ويشتت قواها بانقسام الشعب إلى مؤيدين ومعارضين، والكل يتربص بالآخر لإضعافه!

وهذه العيوب مشاهدة لكل ذي عينين، ولا شك أن الإسلام يمنع منها كقوله -تعالى-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران:103) ، لكن إن كان المقصود من تعدد الأحزاب تقديم النصيحة للحكام وتقديم المصالح العليا للبلاد على المصالح الحزبية الضيقة، ومراعاة الحقوق والواجبات فقد أجازها بعض العلماء المعاصرين.

وما ذكرناه كان هو نظرة الإخوان الأولين للأحزاب السياسية، لكن المتأخرون منهم تغيرت نظرته، بل وجدناه يتلبس بما أنكره الأولون: كالأثرة، والمزاحمة، والعيب، والتشهير، وغيره من الصفات المذمومة في ديننا!

ولنترك المجال للأستاذ "محمود عبد الحليم" -رحمه الله- يحدثنا عن ذلك، والتعليق متروك لكل لبيب يتابع الأحداث جيدًا، والله المستعان.

وليعلم القارئ أن المقصود من هذه الدراسة هو استفادة الحاضر من الماضي، واستفادة المستقبل من الحاضر، لذلك على كل مؤرخ وعالم وكاتب أن يدرس التجربة السياسية من بعد ثورة "25 يناير" إلى يومنا هذا جيدًا؛ لتستفيد الأجيال اللاحقة منها كما نستفيد نحن الآن من كتاب: "الإخوان المسلمون: أحداث صنعتْ التاريخ" وغيره، ولو كانت قيادات الجماعة درست تاريخها جيدًا لجنبت جماعتها والعمل الإسلامي كله هذه الكوارث! ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

قال الأستاذ "محمود عبد الحليم" -رحمه الله-:

"وزارة إسماعيل صدقي: كان إسماعيل صدقي أحد كبار الساسة المصريين القديرين، وكان يرى نفسه أكبر من أن يكون تابعًا لحزب، فعاش ما عاش شخصية مستقلة؛ إلا أنه كان يُعد عدوًا لحزب الوفد، وكان الوفد يخشى بأسه؛ لأنه كان قديرًا في عمله، جريئًا في إجراءاته، وكان الوفد حريصًا على تشويه كل إصلاح يأتي عن طريقه معتمدًا على شعبيته وعلى جهل أكثر المواطنين، ولا زلتُ أذكر وأنا صغير كيف شوهت مجلات الوفد مشروع خزان جبل الأولياء الذي أنشأه هذا الرجل على النيل في السودان، فتصور المجلة شخصًا مصريًّا يطلب كوب ماء من عامل مقهى فيقدم له العامل الكوب ويقول له: بعد إتمام خزان جبل الأولياء سيكون ثمن هذا الكوب قرش صاغ، وكان القرش صاغ في ذلك الوقت ثمنًا باهظًا، وتم هذا المشروع فعاد بأعظم الفوائد.

وهكذا كانت الحياة الحزبية في مصر نوعًا من أنواع الدجل والاستغلال، فهي أحزاب لا برامج لها، وهدفها جميعًا الوصول إلى الحكم لا لشيء إلا لترشو أنصارها بالإغداق عليهم من خزانة الدولة حتى تضمن أن يكونوا بجانبها إذا أبعدوا عن الحكم أملاً في الرجوع إليه مرة أخرى يعوضون خلالها ما فاتهم من مغانم!

فالإصلاح مثلاً في نظر حزب من هذه الأحزاب لا يكون إصلاحًا إلا إذا أتي عن طريقه، وتم على يديه وفي أيام حكمه، فإذا تم إصلاح على يد حزب آخر؛ فلابد من تشويهه والتمويه عليه! ولذا فإن الإخوان كانوا حريصين دائمًا على المطالبة بإلغاء هذا النوع من الحزبية المدمرة، وما من مؤتمر من مؤتمرات الإخوان إلا وتعرض لهذا المعني.

ولهذا كان الإخوان أبعد الناس عن أن يقيدوا أنفسهم بالولاء لحزب من هذه الأحزاب أو بالارتباط معه أو بالانحياز إليه، وكانت العلاقة بينهم وبين هذه الأحزاب تتلخص في شيء واحد هو أن يؤيدوا الخطوة التي يتخذها حزب منها ويراها الإخوان في مصلحة البلاد.

بيان واضح عن موقف الإخوان من هذه الوزارة:

بعد أن لخصنا موقف الإخوان من وزارة صدقي باشا نعود فنتناول هذا الموقف بشيء من التفصيل؛ نظرًا إلى أن هذا الموقف كان حدثًا تاريخيًّا غير مسبوق، ومفاجأة في عالم السياسة المصرية لم يسبق لها مثيل!

ولهذا وقف الشعب إزاءها مشدوهًا، وانقسم في نظرته إليه ثلاثة أقسام:

1- قسم فهم الإسلام حق الفهم: فعرف أنه دعوة تدور مع الحق حيث يدور فلا تبالي أن تؤيد من رفع راية الحق وإن كان عدوًا، ولا تبالي أن تضرب على يد من يجادل بالباطل وإن كان صديقًا: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة:8) ، ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: ( تَمنعهُ من الظُّلم فَذَاك نصرك إِيَّاه ) (متفق عليه) ، وهذا القسم تابع خطوات الإخوان مع هذه الوزارة بكل الاقتناع منذ ظاهر الإخوان هذه الوزارة حتى عملوا على إسقاطها.

2- وقسم كانت له السيطرة الشعبية على السياسة المصرية: فرأى في مساندة الإخوان لهذه الوزارة انتقاصًا من سيطرته؛ فسخَّر وسائل إعلامه لتشويه هذه المساندة والخروج بها عن معانيها الإسلامية السامية إلى معانٍ مادية حقيرة آملاً من وراء ذلك في استعادة ما فقد من سيطرة شعبية.

3- وقسم ثالث خُدع بما أذاعته وسائل إعلام القسم الثاني: إما لأنه كان ساذجًا لم يستطع متابعة الأحداث وتفهمها تفهمًا سليمًا، وإما لأنه رأى في التجاوب مع ما أذاعته هذه الوسائل تفاديًا لخطر محدق به أو تقربًا من هدف يرمي إليه.

الصفحة التالية