نظرة الإخوان الأولين للأحزاب السياسية
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
وكان القسم الثاني هو حزب الوفد الذي كان يملك من وسائل الدعاية ما لا يملك الإخوان عشر معشـاره، ودوافع الوفد إلى ذلك سنرجئ الحديث عنها حتى يجيء دورها، وهذا القسم لا يعنينا أمره، وليس هو المقصود بهذا التوضيح الذي نحن الآن بصدده، وإنما المقصودون بهذا التوضيح هو القسم الثالث الذي خدعته وسائل القسم الثاني!
وإذا كان أصحاب النظرة السطحية للأمور مِن هذا القسم يُلتمس لهم وجه العذر فهم محتاجون إلى مَن يأخذ بأيديهم، فقد لا يلتمس وجه عذر لمن سايروا وسائل الدعاية لمجرد تفادي عقبة أمامهم أو الخروج من مأزق، ولكننا مع ذلك سنلتمس العذر للجميع ونتصدى لإبانة واضحة لهذا الموقف تبدد ضباب اللبس، وتمزق حجب الاقتران والتضليل...
نظرة الإخوان إلى الأحزاب:
سبق أن أومأنا إلى هذه النظرة من قبل، ونعود إلى الحديث عنها بتفصيل، فنقول: إن هذه الأحزاب لم تكن إلا أسماءً على غير مسميات، أنشأتها الأهواء والمطامع الشخصية، وآلت كلها بعد قليل إلى أن أصبحت نعالاً ينتعل منها المستعمر ما يشاء ليطأ بها كرامة المصريين، ويرغم أنوفهم!
أما نظرة الإخوان إلى الوفد: فإنهم يرونه حزبًا قائمًا على قاعدة شعبية بلا شك، لكنهم لا يرون في تاريخه ما يؤهله لقيادة شعب يريد تحقيق آماله في الحرية ويصل حاضره بماضيه.
فإذا كانت هذه هي نظرتنا إلى الأحزاب المصرية في ذلك الوقت ونظرتنا إلى حزب الوفد، فهل نحن مقيدون بعد ذلك بأن نقيس الأمور بمقياسهم أو أن نزن الأشخاص بميزانهم أو أن نعالج الأحداث بطريقتهم؟ هل إذا كرهوا شخصًا كان علينا أن نكرهه، وإذا ناصبوه عداءً فعلينا أن نناصبه أو قاطعوه فعلينا أن نقاطعه؟!
ولما كان كل حزب بما لديهم فرحون ظن حزب الوفد أن اختلاف معالجتنا للأحداث عن معالجته لها هو نوع من العقوق الذي يستحق العقاب ويستوجب التأديب، لاسيما وهو لم يجرب من قبل خروجًا على أسلوبه إلا ممن يناصبونه العداء الشخصي، ولما كان هو ومنافسوه التقليديون لا يعرفون للقيم مكانًا لا في أخلاقهم ولا في تعاملهم؛ فقد استباح لنفسه في هجومه علينا الكذب والافتراء، والزور والبهتان مستغلاً في ذلك كل ما يسر له من وسائل الدعاية والإعلام" (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ 1/ 363-369 ) .
قلتُ: فلمَ تطلبون منا -وكذا غيركم- أن نكون كهذا الوصف الذي أنكره الأستاذ "محمود" على حزب الوفد وقتئذٍ؟! ولمَ تعاقبوننا بالعقاب نفسه الذي أُنكر على حزب الوفد؟!
إنا لله وإنا إليه راجعون.
"وزارة النقراشي الثانية:
بعد سقوط وزارة صدقي باشا كان الناس ينتظرون أن تسند الوزارة إلى شخصية قوية ذات تاريخ وطني مشرف، وكان آخر ما يخطر بالبال أن يُستدعى لتأليفها رجل تخاذل أمام الإنجليز بمذكرته الضعيفة المتهالكة التي سجلت عليه الخزي والتفريط في حقوق الوطن... ولكن الذي حدث كان عجيبًا فقد استدعي فعلاً محمود فهمي النقراشي باشا فألف وزارته الثانية كأن البلاد قد أقفرت من الرجال.
ومع ما في هذا التصرف الملكي من تحدٍ لمشاعر الشعب عامة -ومشاعر الإخوان خاصة-، فإن الإخوان -إنقاذًا لقضية البلاد وتلافيًا لضياع الوقت الثمين- تناسوا تاريخ الرجل وسابق فشله وسوء تصرفه، وتقدموا إليه بخطة كاملة ونصيحة مخلصة؛ فقد بعثوا إليه في "5-1-1947م" بالخطاب الآتي:
"دولة النقراشي باشا رئيس الوزراء.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد وصل الموقف في الداخل والخارج إلى الحال التي تعلمونها دولتكم من الضيق والحرج، وأصبح من الحتم اللازم على كل غيور على مصلحة هذا البلد أن ينسى نفسه وحزبه، ويذكر شيئًا واحدًا؛ هو خير هذا الوطن، والعمل السريع الحازم لعلاج هذه الحال" (السابق:1/ 387) .
وكذلك كان الموقف نفسه لما قارب معتقل 54 على الانتهاء: "اجتمع إخوان الهيئة التأسيسية الذين بالمعتقل، وناقشوا قضية كان لابد من مناقشتها؛ تلك هي أنهم حين يخرجون إلى الحياة سيجدون مجتمعًا ذا صبغة معينة، وسيجدون حكومة هي وليدة الصراع الذي كان بينهم وبين الثورة، فما كان موقفهم منها ومِن هذا المجتمع؟ هل يقفون منها موقف المقاومة؟ أم سلبيًّا؟ أم يتجاوبون معها؟!
وقد تمخض نقاشهم عن قرار مؤداه أننا مهما كان رأينا في الحكومة فإن الشعب الذي تحكمه هو شعبنا، ومسئوليتنا عن مصالحه لا تقل عن مسئوليتها؛ فعلينا أن نتعاون معها فيما يعود على هذا الشعب بالخير، مُنحيِّن جانبًا ما بيننا وبينها من خلاف سياسي، وبذلك نكون في كل أحوالنا متجاوبين فيما عدا الاتجاه السياسي" (السابق:3/ 453) .
قلتُ: أليس الحال الذي وصلتْ إليه البلد الآن يتطلب من كل غيور على البلد أن ينسى نفسه وحزبه، ويذكر شيئًا واحدًا هو: "خير هذا الوطن"، والعمل السريع الحازم لعلاج هذا الحال؟!
الله المستعان.