المنازل الإيمانية لطريق الحج المبرور (خطبة مقترحة)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالغرض من الخطبة:
بيان فضل الحج ومنزلته، وإثارة شوق السامعين للسعي إلى هذه الرحلة إلى بيت الله لنيل أجر حج مبرور، وأهمية توافر بعض المعاني الإيمانية في ذلك.
مقدمة الخطبة:
- إقبال موسم الحج: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ) (البقرة:197) ، يكثر فيه النداء: "لبيك اللهم لبيك".
- توافد الحجيج تلبية للنداء: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (الحج:27) .
- أعظم اجتماع في أشرف البقاع: ( انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) .
- فما أعظمها من رحلة! يمر فيها الحجيج بمنازل إيمانية عظيمة حتى يصلوا إلى بيت ربهم، وهي كمعالم الطريق لابد للسائر من معرفتها قبل القصد والرحلة، وفي كل منزلة تذكرة وعبرة.
المنزلة الأولى: فهم موقع الحج من الدين:
- الحج فريضة الله على عباده: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ) (آل عمران:97) .
- الحج من أفضل الأعمال: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ( إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( حَجٌّ مَبْرُورٌ ) (متفق عليه) .
- الحج جهاد العاجز والمرأة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ ) (رواه أحمد والنسائي، وقال الألباني: حسن لغيره) .
- الحج ولادة جديدة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) (متفق عليه) .
- الحج عاقبته الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةُ ) (متفق عليه) .
المنزلة الثانية: الشوق إليه:
- يراد من هذه: أن المؤمن المخلص إذا علم فضل الحج اشتاقت نفسه إليه.
وهذه بعض المعاني التي تزيد من شوقه:
- استحضار أن البيت هو بيت الله -عز وجل-، وقاصده قاصد إلى الله وزائر له: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه و سلم-: ( الحُجَّاجُ والعُمَّارُ وَفْدُ الله دَعاهُمْ فأجابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطاهُمْ ) (رواه ابن ماجه والبزار، وحسنه الألباني) .
- الجزاء من جنس العمل: عن سلمان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَهو زَائِرُ اللَّهِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائِرَ ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني) .
ـ جدير بمن زار بيته في الدنيا أن يُرزق الزيارة العظمى برؤية وجهه -سبحانه- يوم القيامة: عن صهيب الرومي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ -عَزَّ وَجَلَّ- ) ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) (رواه مسلم) .
المنزلة الثالثة: العزم عليه:
- يُراد من هذه: أن المؤمن المخلص إذا اشتاق للرحلة والزيارة عزم على السعي وإن انتفت الاستطاعة؛ فكيف بمن ملك الاستطاعة؟!
- صدق عاجز خير من سعي كاذب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟! قَالَ: ( وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ ) (رواه البخاري) . وقال شريح: "الحاج قليل، والركبان كثير".
وقال الشاعر:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحًا
إنا أقمـنا عـلى عـذر وقد رحلوا ومَـن أقـام عــلى عــذر كمن راحا
- ولذا جعل الله البيت في أوعر البقاع وأمر عباده بالسعي إليه : ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) (إبراهيم:37) ، ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (الحج:27) .
- ليتميز الصادقون بحبهم وبذلهم: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا ) (البقرة:125) ، ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (إبراهيم:37) .
المنزلة الرابعة: قطع العلائق المانعة منه:
معناه: رد المظالم والتوبة الخالصة لله -تعالى- قبل السعي، فكل مظلمة مثل غريم متعلق بتلابيبه ينادي عليه: أتقصد بيت ملك الملوك وأنت مضيع أمره؟! ألا تستحي أن تقدم عليه كذلك فيردك ولا يقبلك؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا ) (رواه مسلم) .