شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناهج الإصلاح (2) اشتمال الدين على صلاح "الفرد - المجتمع - الدولة"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بيِّنا في المقال السابق عدة مقدمات مهمة تتعلق بإدراك عملية الصلاح والإصلاح، وأثر المرجعية في ذلك، ونتعرض في هذا المقال لبيان اشتمال الدين على صلاح الفرد والمجتمع والدولة، تاركين بيان معالم هذا الصلاح للمقال الثالث، وبيان المناهج الأخرى للمقال الرابع -إن شاء الله تعالى-.

1- حاجة البشرية إلى صلاح "الفرد - والمجتمع - والدولة":

عند التأمل في تراث العلوم الإنسانية "لاسيما الاجتماع والسياسة" سوف نجد أن هناك حقيقة يكاد تجمع عليها البشرية عبر تاريخها، وهي الحقيقة القائلة: "إن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وأنه لا يستطيع العيش منفردًا"، وأن الأفكار القائلة بالفردانية تبقى مجرد أفكار فلسفية لا تجد تطبيقات عملية لها؛ إذ أن التجارب الاجتماعية أثبتت دوام انتماء الإنسان إلى جماعة.

وحياة الفرد لا تستوي طبيعيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا إلا ضمن مجتمع ينتمي إليه بالولادة أو بالاختيار, وكون الإنسان جزءًا من جماعة يعني خضوعه لبعض القيود والواجبات إذ لابد لكل مجتمع أيًّا كان نوعه وأيًّا كانت درجة تطوره "أسرة, قبيلة, عشيرة, دولة" من نظام يحكمه، ومن سلطة تتولى قيادته.

والمجتمعات المستقرة جغرافيًّا على مدار الزمان عادة ما تستطيع أن تفرز نظام حكم ثابت لينتج من هذه الثلاثة ما يُسمى بالدولة.

ونعني بهذه الثلاثة:

1- مجموع الأفراد المتعايشين معًا (المجتمع).

2- الحدود الجغرافية.

3- نظام الحكم.

ومع اطراد هذا الأمر انشغل عامة المصلحين عبر التاريخ بوضع نموذج للصورة المثالية التي ينبغي أن يكون عليها:

1- الفرد من تصورات عقلية وسلوكيات عملية.

2- العلاقات الاجتماعية بين الأفراد.

3- الصورة المثالية لنظام الحكم؛ لا سيما فيما يتعلق بعدم طغيان الدولة على حريات الأفراد، وقدرتها على تحقيق العدالة بأنواعها من التوزيع العادل للثروات العامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والقضائية.

إذن عندما نتحدث عن صورة صلاح إنساني فلابد أن نتحدث عن الفرد والمجتمع والدولة, وإغفال أي جانب من هذه الجوانب يساوي ترك ثغرة للفساد.

2- هداية الإسلام لصلاح الفرد والمجتمع والدولة:

مَن تأمل ما ذكرناه في النقطة الثابتة، وتأمل معها قوله -تعالى-: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) (الإسراء:9) ، وغيرها من النصوص التي يصف الله فيها القرآن بالشفاء والنور والفرقان فلابد أن يوقن أن هذا الدِّين يتضمن بيانًا لصفات الفرد الصالح والمجتمع الصالح، ونظام الحكم الرشيد، وأن أي تصور خلاف هذا مع إدراك أزمة البشرية عبر تاريخها في البحث عن ذلك النموذج للفرد الصالح والمجتمع الفاضل، ونظام الحكم الرشيد - يعني أن صاحبه لا يرى أن هذا الدين يهدى للتي هي أقوم أو أن فيه الشفاء الذي تحتاجه البشرية لأمراضها!

وفي الواقع فإن هذا الاستدلال على شمول الإسلام لكل مناحي الحياة وإن بدا غير مباشر؛ إلا أنه من الأهمية بمكان في إدراك خطورة الاعتقاد بغير ذلك.

ويبقى أن الأدلة المباشرة على هذه الحقيقة متوفرة، منها "المجمل" مثل: قوله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأنعام:162) ، ومنها: مفصل باستقراء مصادر الشريعة "بل يكفي في ذلك القرآن وحده" لننظر: هل جميع خطابه يتعلق بالجانب الفردي أم أن بعض هذا الخطاب كان موجهًا للمجتمع من حيث هو مجموع أفراد يتزاوجون ويتجاورون ويبيعون ويشترون، وكذلك من حيث حاجته إلى مَن يقوم بشئونه ويقوم على أمره، وما يجب لأولي الأمر وما يجب عليهم، والصفات الواجب توافرها فيمن يُختار لذلك الأمر.

3- مناقشة مَن يقول: "إن الدِّين علاقة خاصة بيْن العبد وربه!":

ذكرنا في معرض حديثنا عن مرجعية الصلاح أن عامة العالمانيين يرون أن الدين لا يصلح أن يكون مرجعًا لصلاح المجتمع والدولة! وأن منهم مَن يرى صلاحية الدين لأن يكون مرجعًا لصلاح الفرد.

وهذا النوع الأخير يروَّج للأسف بيْن كثير من أبناء الأمة الإسلامية حيث يُدخِل عليهم مقولة: "الدين علاقة خاصة بين العبد وربه!"، مع أنها مقولة عالمانية أملاها العالمانيون على رجال الكنيسة في أوروبا فوافقوا عليها، ولا علاقة لها بدين الإسلام لا مِن قريب ولا مِن بعيد! وموطن التلبيس في هذه العبارة هو إطلاق كلمة الدين دون تمييز, وكذلك الذين يقولون: "لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين!".

فنقول لهم:

عن أي دين تتحدثون؟!

هل هذه قاعدة مجردة؟!

وهل يوجد مصدر ما يعطينا قواعد مجردة تنطبق على كل أديان الدنيا؟!

الإجابة: لا.

فالكلام على الدين أو على الأديان -سواء دين واحد أو مجموعة أديان- استقرائي؛ بمعنى أن ننظر في مصادر كل دين على حدة وننسب له ما تقرره مصادره، ثم لو وُجدت قاعدة مشتركة بين كل الأديان نقرر حينئذٍ أن هذه قاعدة مشتركة بين الأديان.

فلنرجع إذن إلى مصادر الإسلام ونستقرئها، فإن وجدنا كل مفردات الخطاب الشرعي خطابًا للأفراد فقط فحينئذٍ نقرر قاعدة، وهي: "أن الإسلام هو علاقة خاصة بين العبد وربه، ولا شأن له بتنظيم المجتمع والدولة!", أما إن وجدتَ فيه كلامًا عن نظام الأسرة وعن نظام البيع والشراء؛ فقل: "إنه يتحدث عن نظام المجتمع", ثم إن وجدتَ فيه كلامًا عن اختيار الحاكم، وعن واجبات الحاكم وعن حقوقه، وواجبات المحكوم وحقوقه، وإقامة الحدود فقل: "إن فيه كلامًا عن الدولة".

4- منشأ القول بأن الدين علاقة خاصة بين العبد وربه:

الصفحة التالية