مناهج الإصلاح (2) اشتمال الدين على صلاح "الفرد - المجتمع - الدولة"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
وقصة منشأ هذا القول أن أوروبا كانت وثنية ثم دخلها دين عيسى -عليه السلام-؛ إلا أنهم حرفوه وأدخلوا فيه من الوثنية ما أدخلوه، ومن جملة ما أدخلوه فيه ما وصفه الله -عز وجل- بقوله: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (التوبة:31) ، وورد في قصة إسلام عدي بن حاتم -رضي الله عنه- أنه قال: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ) قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ( فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ ) (رواه الترمذي والطبراني في الكبير، وحسنه الألباني) .
وهذا بعينه هو الذي يسمونه هم بـ"الاستبداد الكنسي!", فقد حصل استبداد في الكنيسة وبدأوا ينسبون للوحي ما ليس منه, ويحلون ويحرمون إلى درجة أنهم تبنوا نظريات علمية ونسبوها إلى الوحي! وفي ذلك يقول الله -عز وجل-: ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (البقرة:79) ؛ ونتيجة هذا الاستبداد ثار الناس ضد ذلك الذي ظنوه وحيًا -بينما هو محرف ومبدل- فقالوا: "اشنقوا آخر إقطاعي بأمعاء آخر قسيس!"، وطالبوا بـ"فصل الدين عن الحياة".
ثم بعد فترة، وبعد أن هدأت ثورتهم وجدوا أن الدين ضروري جدًّا "على الأقل في تربية الوازع الشخصي، وضبط الأخلاق" فنادى الفلاسفة هناك بعودة الدين؛ شريطة أن يبقى في هذا الإطار في الحياة, فالتقط رجال الكنيسة هذا الخيط، وقالوا: إذا كان شرطكم لكي تقبلوا بوجود دين في المجتمع أنه يكون دين يخاطب الأفراد فقط فهذا أمر سهل, بل وجدوا نصًّا منسوبًا لعيسى -عليه السلام- يقول: "أعطِ ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" فجعلوا هذا النص هو أصل الأصول.
إذن قاعدة: "الدين علاقة خاصة بين العبد وربه": قاعدة تنطبق على الدين النصراني في أووربا "في طبعته الأخيرة", كما تنطبق على الكثير من الأديان، ولكنها لا تنطبق مطلقًا على دين الإسلام -كما أسلفنا-، فمن عاد إلى القرآن وجد آياتٍ طوالاً تتحدث عن: الربا، وعن البيع، وعن الأسرة وعن نظامها؛ فلن يجد مَن يقرأ القرآن وحده مناصًا مِن أن يعترف أن الإسلام أتى بتشريعات تخص المجتمع.
أما نظام الدولة: فيكفي تشريع الحدود مع ما تقرر في العلوم السياسية من أن إيقاع العقوبات هو أخص وظائف الدولة في الداخل, وكذلك أخص الواجبات، وسنجد القرآن يتحدث عن الصلح والمعاهدات، وهي أخص وظائف الدولة في الخارج.
وأما ما يثيرونه من أسئلة ينقضون بها هذا الأصل، مثل: أين نجد في الإسلام طريقة انتخاب الرئيس؟! وأين نجد في الإسلام طريقة محاسبة الرئيس؟! أين نجد في الإسلام أيهما أفضل القطاع العام أم القطاع الخاص؟!
والجواب: إن ما ذكرنا من خطاب شرعي يتوجه لتنظيم أمور المجتمع والدولة كافٍ لإثبات القاعدة، وأما ما سكت الشارع عنه من أمور في هذه الجوانب؛ فهو من باب المباح الذي يجوز أن يَختار فيه البشر وفق تجاربهم "شريطة الالتزام بالإطار العام للشريعة"، ويكون حينئذٍ من عوامل السعة والمرونة، واستيعاب متغيرات العصور والأزمان، وهو التخوف الذي يثيره كثير منهم دون أن ينتبه بأن كلامه في موطن يرد على كلامه في الموطن الآخر.
5- العلاقة بيْن مجالات إصلاح الفرد والمجتمع والدولة:
يتبين لنا مما سبق أن الصلاح الإنساني لابد أن يشمل وصفًا لحال صلاح الأفراد، ثم وصفًا لما ينبغي أن تكون عليه كل صور التعاملات بينهم حتى يكون المجتمع مكونًا من أفراد صالحين في أنفسهم، بالإضافة إلى كونهم يتعاملون من بعضهم البعض وفق طريقة سامية تحترم آدميتهم.
كما يلزم أن ترسى قواعد الحرية والعدل وغيرها في دولهم، فإذا تم للناس ذلك كانت لهم السعادة في الدنيا والآخرة وإلا شقوا بمقدار بعدهم عن هذا المنهج، كما قال -تعالى-: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ) (طه:124) .
ومعرفة تفاصيل صلاح الفرد والمجتمع والدولة تحتاج إلى سرد الشريعة بأسرها، ولكن يمكننا ذكر معالم كل مجال من هذه المجالات -وهذا ما سنوضحه في المقال القادم إن شاء الله-؛ إلا أنه تبْقى هنا مسألة يجب بيانها حيث قد يتبادر إلى الذهن نتيجة ذكر "الفرد - المجتمع - الدولة" أننا نتحدث عن مراحل متتالية يجب أن تنهي الأولى قبل أن تشرع في الثانية، وأن تنهي الثانية قبل أن تشرع في الثالثة، وهو أمر لا يُتصور أنه الصواب رغم جنوح البعض إليه؛ حيث إن المجتمعات البشرية تموج بالحركة كل ساعة فيولد أقوام ويموت آخرون، ولا يمكن أن نقف أبدًا عند نقطة ندعي فيها أننا فرغنا من إصلاح مجموع أفراد مجتمع؛ مهما بلغ صغره ولو كان أسرة صغيرة.
كما أن تصور أن هذه المجالات متوازية بمعنى عدم وجود تأثير لأحدها على الآخر خطأ أيضًا، والصواب أنها مراحل متوازية تعمل معًا، مع أن مخرج كل مرحلة منها هو مدخل التي تليها، ويمكن أن نمثِّل لذلك بمصنع فيه ثلاث مراحل، فتأتي لك المادة الخام فتدخل على المرحلة الأولى فتعطي لك منتجا أوليًّا, فيدخل هذا المنتج الأولي على المرحلة الثانية فيعطيك منتجا ثانويًّا, وهذا المنتج الثانوي تدخله على المرحلة الثالثة فيعطيك منتجًا نهائيًّا, فعندما تنظر إلى المصنع عمليًّا ترى كل المراحل تعمل في آنٍ واحد, لكنها معتمدة على بعضها البعض؛ بمعنى أنه لابد أن يوجد إنتاج للمرحلة الأولى لكي تعمل الثانية، ويجب أن يوجد إنتاج للثانية لكي تعمل الثالثة.
فنقطة البداية هي تربية الأفراد تربية صحيحة، وهذه التربية توجِد أفرادًا مقتنعين بضرورة إصلاح المجتمع حيث يتعلمون أن هناك فروضا كفائية، ومنها: "إصلاح المجتمع"؛ فيتعاونون فيما بينهم على ذلك, فيوجد مسجد فيه تعليم للعلم, وهناك قيام على حقوق الفقراء والمساكين، وهناك دعوة إلى الله بأن ينقل هذا الشخص هذه المعاني إلى أسرته وإلى المجتمعات الأخرى الصغيرة التي ينتمي إليها, فالإنسان له أسرة، ومسجد، وعمل، ويركب وسيلة مواصلات؛ فحتى لو المجتمع عارض يستطيع أن ينقل إليه الخير, فكل إصلاح للفرد سيصب تلقائيًّا في تراكم إصلاح المجتمع.