مناهج الإصلاح (3) معالم صلاح الفرد
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق أن دوائر الصلاح الإنساني تشمل "الفرد - والمجتمع - والدولة"، ودللنا من العقل والنقل على أن تشريعات الإسلام تتوزع بيْن هذه الدوائر الثلاث، وبيَّنَّا أن الإصلاح يجب أن يتم في هذه الدوائر بطريقة متوازية، مع الأخذ في الاعتبار أن كل دائرة تؤثر في التي بعدها.
وبقي لنا أن نتناول معالم الصلاح في كل دائرة من هذه الدوائر فنتحدث في هذا المقال عن معالم صلاح الفرد، وسيكون حديثنا في المقال القادم -إن شاء الله- عن معالم صلاح المجتمع والدولة.
معالم صلاح الفرد:
تختلف المداخل التي يمكن أن ندخل منها لتعريف الإنسان الصالح، وهذا عرض لأشهر هذه المداخل:
1- التركيز على المعاني القاصرة -الفردية المحضة- والمعاني الاجتماعية:
ذكرنا أنه لابد من الفرد الصالح والمجتمع الصالح، وجزء من تربية الفرد الصالح يتعلق بتهيئته لأن يكون فردًا نافعًا في مجتمعه؛ ولذلك يذكر بعضهم تعريفًا موجزًا لما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم من "إخلاص العبادة للخالق"، و"الإحسان إلى المخلوق".
ولا شك أنه يدخل تحت كل واحدة من هاتين العبارتين الكثير من المعاني التي يمكن أن تجدها مفصلة في عبارات أخرى، وقريب من هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن أهل السنة أنهم "يعرفون الحق ويرحمون الخلق"، وإن كانت العبارة رغم عمومها فإن استعماله لها يدل على أنه يريد من المعرفة معرفة السنة من البدعة، ويريد من الرحمة رحمة من تلبس ببدعة في عدم التسرع في التكفير أو التفسيق أو التبديع.
والعبارة سواء حملت على المعنى العام أو المعنى الخاص هي من أفضل العبارات التي تلخص جوانب في غاية الأهمية من جوانب الشخصية المسلمة المتكاملة المتزنة.
2- صلاح (العقل - النفس - الروح - الجسد):
نموذج الإنسان الصالح هو الذي يستعمل عقله استعمالاً صحيحًا، ويصونه عن التفكير فيما لا يتوفر له أدوات البحث عنه، كما يصونه عن الخرافة
وهذه طريقة علماء التربية حيث ينظرون إلى مكونات الإنسان ثم يتتبعون ما ورد بشأنها في الكتاب والسنة، فنموذج الإنسان الصالح في هذا المدخل هو: الإنسان الذي يستعمل عقله استعمالاً صحيحًا، ويصونه عن التفكير فيما لا يتوفر له أدوات البحث عنه -علم الغيب-، كما يصونه عن الخرافة بجميع صورها -ومِن أبرزها: تقديس المخلوقات- في حين يوظف عقله في إدراك أدلة صدق الوحي، وفي فهم الوحي، ثم في التفكر في السنن الكونية لتسخيرها وتذليلها.
وهو في ذلك يروِّض نفسه ويكبحها عما دله الشرع أو العقل على ضرره؛ حتى وإن تعلقت به حظوظ نفسه، وفي هذا الباب يدخل الجانب المجتمعي حيث يترك الفرد الصالح بعض حظوظ النفس صيانة لحقوق الآخرين، وللإحسان إليهم بما يفوق حقهم.
كما أنه يُعنَى بتغذية روحه بالعبادات التي تصفي الروح وتجعلها تحلق بالجسد إلى معاني السعادة والإنس بالله -عز وجل-، والجسد هو الوعاء الحاوي لهذا كله الذي ينبغي على الإنسان أن يُعنَى به ليقوم بكل هذه المهام، والتي هي من جملة العناية بالجسد، ومقصودها "الروح" في المقام الأول كالطهارة الحسية والمعنوية.
ومن فوائد هذا المدخل: سهولة المقارنة مع المناهج التربوية الأخرى التي تحترم العقل في الجوانب المادية وتوقعه في الخرافة في الجوانب الغيبية! أو التي تطلب صفاء الروح بتعذيب الجسد أو التي تطلق العنان لشهوات النفس والجسد، إلى غير ذلك من المدارس التربوية المنسوبة إلى ديانات أخرى أو المتفرعة عن نظريات تربوية عالمانية.
3- صلاح (العقيدة - العبادة - الأخلاق - المعاملة):
وهذا التقسيم يعتمد على تقسيم العلوم الإسلامية وبيان ما يختص بتربية الفرد منها، وهو أسهل تناولاً بالنسبة لدارسي العلوم الشرعية، كما أن القنطرة بين الفرد والمجتمع واضحة في هذا التقسيم غاية الوضوح عبر قسم (الأخلاق والمعاملات)، وعلى ذلك فالفرد الصالح وفق هذا التقسيم هو الصالح في عقيدته، وعبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، وهذه نبذة عن كل واحدة من هذه الجوانب الأربع.
1- صلاح العقيدة:
من خلال العقيدة الصحيحة المستفادة من الكتاب والسنة يعرف الإنسان حقيقته ومنشأه، ويعرف الكون من حوله، ويؤمن أن له ربًّا خلقه فسواه فعدله، وعلمه البيان، ومنحه العقل والإرادة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل له الكتب، وأقام عليه الحجة، وعرفه الغاية والطريق.
ويعرف أن هذا الرب لم يجعل بينه وبين عباده واسطة في عبادته، وأن حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، كما يعرف أسماءه وصفاته، ومنها: أن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، العزيز، العليم، الحكيم, وهذه المعرفة لها آثار عظيمة...
كما أن هذا العالم البديع وراءه خالق عظيم، خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولكن الذي خلقه سيفنيه، ويبدل به عالمًا آخر، هو عالم الخلود، فيه تُوفى كل نفس ما كسبت، وتجزى بما عملت، وهم لا يظلمون.
الآثار المعرفية والسلوكية للعقيدة الصحيحة:
من أهم ما ينبغي أن نُعنَى به ونحن نتحدث عن صلاح الفرد أن نُعنى بمعرفة العقيدة كغرض مطلوب لذاته أولاً ثم كغرض مطلوب لغيره من جوانب الصلاح الإنسانية التي تتحقق كآثار لتلك العقيدة الصحيحة، وفي هذا الصدد نركز على بعض الآثار الإيمانية للعقيدة الصحيحة في أبواب اضطربت فيها كثير من المناهج التي لم تعتمد على تلك العقيدة الصحيحة.
أ- العقيدة والحرية:
مَن ينصف سيجد أنه متى قورن الإسلام بالمذاهب الليبرالية سيكون أكثر تحقيقًا لحرية الإنسان من مذاهب خلعت كهنة الدين لتضع بدلاً منهم كهنة الفلسفة!