شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناهج الإصلاح (3) معالم صلاح الفرد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

إلاسلام جاء دعوة تحريرية كبرى لتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله -تعالى-؛ من عبوديته للشيطان، ومن عبوديته للإنسان، سواء أكان ملكًا أم كاهنًا، ومن عبوديته للملائكة والصالحين بل من عبوديته لنفسه وهواه، فلا يَعبد إلا الله، ولا يشرك به شيئًا؛ ولهذا كان يبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- برسائله إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، ويختم رسائله إليهم بهذه الآية الكريمة: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) (آل عمران:64) ، بل إن الشريعة نزهت الإنسان أن يغلو في مخلوق آخر "وإن لم يبلغ حد العبادة"، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ ) (متفق عليه) .

ولا وجه للمقارنة هنا بين هذه العقيدة الصحيحة والأديان الكهنوتية القائمة على تقديس البشر، بل ولا مع المذاهب التي تأثرت بهم كالشيعة والصوفية، ولكن عند من ينصف فسوف يجد أنه متى قورن الإسلام بالمذاهب الليبرالية فإنه سيكون أكثر تحقيقًا لحرية الإنسان من مذاهب خلعت كهنة الدين لتضع بدلاً منهم كهنة الفلسفة.

ب- العقيدة والوازع الذاتي:

قدَّمنا أن العقيدة الصحيحة تتضمن المعرفة الصحيحة بالله -عز وجل-, ومن أعظم آثارها حب الله والخوف من الله، وهذه الآثار يترتب عليها آثار أخرى، وهي: مراقبة الله -تبارك وتعالى- ووجود الوازع أو "الضمير الذاتي".

ومن المعلوم أن إيجاد الوازع الذاتي عند الفرد يعد مشكلة كبرى عند ذلك فإنه مهما أقمت من دولة وقوانين بدون وازع ذاتي فإن المجتمع لا يستقر؛ لأن المجتمع لكي يكون مستقرًا فلابد أن يكون الوازع الذاتي موجودًا عند معظم الناس, ثم إذا انحرف بعضهم كانت الدولة له بالمرصاد, لكن إذا كان الوازع الذاتي غائبًا عند المعظم تكون هذه حالة الفساد المستشري التي يقولون عنها إنها تهدد الدول بالزوال والانهيار, فالعقيدة إذن يتفرع عليها العبادة والأخلاق والمعاملة, ويتفرع عليها الجزء الذي يهم كل الناس -حتى غير ذوي المرجعية الشرعية- وهو كيف يكون هذا الفرد عضوًا صالحًا في المجتمع ويكون لديه وازع ذاتي يجعله لا يهدد أمن ولا سلامة ولا استقرار الآخرين إلى غير ذلك.

ومن المشاهَد في بلاد المسلمين وجود الوازع الذاتي "الإيماني" عند عدد كبير من الناس -بفضل الله تعالى-، ولكن الشيطان يفسده عليهم ببعض التأويلات فتجد أن هذا الوازع في موضوع الرشوة أقل بكثير منه في السرقة مع أنهما من باب واحد هو الكسب المحرم، لكن لانتشار التأويل في الرشوة ضعف الوازع الإيماني جدًّا، كما أن الشيطان يُضعِف هذا الوازع تجاه عدد كبير من المعاصي بدعوى أنها من الصغائر، وكل هذه المداخل الشيطانية في حاجة إلى علاج؛ بالإضافة إلى تقوية الوازع الإيماني الذي هو فرع على الإيمان بالله واليوم الآخر.

ج- صفات إيمانية أخرى:

قد يعتني الكثير من الباحثين في شأن سمات الشخصية المسلمة ببعض الصفات التي يراها مميزة للشخصية الإسلامية، وهي صفات تتكون كفرع على تعلم الدين والعمل به، ومعظمها آثار مباشرة للعقيدة الصحيحة، ومن أمثلة ذلك: الصفات التي عدها الدكتور "عمر سليمان الأشقر" -رحمه الله تعالى- كسمات للشخصية المسلمة فذكر: "البصيرة - العزة - التمسك بالحق - المجاهدة - الرضا النفسي والاطمئنان القلبي - إدراك غاية الحياة - الأوبة إلى الحق"، ويمكن أن تضيف إليها كثيرًا من الصفات مثل: "موافقة الفطرة - التوسط - الاعتدال - الصبر - الواقعية - ... "، وغيرها من سمات الدين ذاته التي تنطبع على الأشخاص الذين يتعلمون الدين ويعملون به بطريقة صحيحة.

2- صلاح العبادة:

وصلاح العقيدة يتفرع عليه صلاح العبادة؛ لأن من عقيدة المسلم قوله -تعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (الذاريات:56-58) ، وبهذا بعث الله الرسل على مختلف العصور والأزمان: ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) (النحل:36) ، ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:25) .

ومن هنا يحيا الإنسان المسلم متعبدًا لله -تعالى-، مؤتمرًا بأمره، منتهيًا عما نَهى عنه، جاعلاً خشيته وتقواه نصب عينه: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة:27) .

وتتمثل العبادة أول ما تتمثل في إقامة الشعائر الكبرى التي فرضها الإسلام وجعلها من أركانه العظام: من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، ثم ما يكملها من: الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والتسبيح، والتهليل، والتكبير.

فالمسلم يذكر ربه في كل حين، وعلى أي حال؛ في أكله وشربه، وعند نومه وعند يقظته، وفي إصباحه وإمسائه، ولدى مدخله ومخرجه، ويوم سفره وأوبته، وعند لبسه ثوبه، أو ركوبه مركبته؛ لا ينسى في هذه المواقف وغيرها أن يذكر الله -تعالى- شأن أولى الألباب: ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ) (آل عمران:191) .

والمطلوب في العبادات:

أولاً: أداؤها بلا كسل أو توان.

ثانيًا: أداؤها على الوجه المشروع.

ومخالفة الأول توقع العبد في المعصية، ومخالفة الثاني توقعه في البدعة.

3- صلاح الأخلاق:

والخُلُق والفضيلة من لوازم العقيدة وتمام الإيمان، كما أنهما ثمرة لازمة للعبادة الحقة، وإذا لم تثمر العبادة في الخلق والسلوك دل ذلك على أنها عبادة مدخولة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية