شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناهج الإصلاح (3) معالم صلاح الفرد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وفي الحديث الصحيح: ( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ ) (متفق عليه) ، وجاء في حديث البخاري: ( مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) (رواه البخاري) .

والمهن الدنيوية وإن كانت مباحة باعتبار الآحاد، فإن ما تحتاجه الأمة يدخل في باب فروض الكفايات كما سيأتي بيانه في معالم صلاح المجتمع.

2- العلم والتربية:

استعرضنا فيما تقدم معالم الشخصية المسلمة من أكثر من مدخل، وكلها تدور حول تبويب ما جاء به الشرع من أمور علمية أو عملية ينبغي على المسلم أن يعلمها أو أن يعمل بها، والجهل بهذه الصورة هو عائق من عوائق التمثل بها، ولكن ثمة عوائق أخرى يجب أن توضع في الاعتبار من الشهوات والشبهات التي أشار إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ: شَهَوَاتِ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ, وَمُضِلاتِ الْهَوَى ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) ، ومِن ثَمَّ فلكي نصل إلى تلك الصورة المطلوبة لابد من علم بها، ولابد من معرفة بالعقبات وبكيفية التغلب عليها؛ مما يعني أن أي منهج للإصلاح ينبغي أن يتضمن أنشطة علمية وأخرى تربوية غرضها ترويض النفوس على تلك المعاني الفاضلة.

3- الصورة المثالية والتكفير:

استعرضنا فيما تقدم معالم الشخصية المسلمة وغني عن الذكر أن مَن يستعرض مثل ذلك إنما يستعرض الصورة النموذجية المثالية، ولا يُتصور غير ذلك؛ لأن المطلوب هو تحفيز الجميع تجاه العلم والعمل بهذه الصورة.

ولكن هل يترتب على هذا أن مَن خالف تلك الصورة المثالية في أي جانب من الجوانب قد خرج من الإسلام؟!

هذه القضية لها متعلقان:

الأول: في حق هذا الشخص ألا يخرجه أحد من دين الله إلا بحكم من الله.

الثاني: حق الأمة ألا تسلب بعض أبنائها "وإن كان في التزامه بدينها خلل"، كما أن الأم لا ترضى بقتل ابنها العاق وإن كانت بلا شك تتمنى أن يتراجع عن عقوقه.

ومِن ثَمَّ كانت معرفة وسطية المنهج في غاية الأهمية، فالحق وسط بيْن الوعد والوعيد, وبين الخوارج والمرجئة، أما الخوارج فقد جنوا على عصاة المسلمين كما جنوا على أمة الإسلام؛ إذ أخرجوا منها أكثر أبنائها، بل أصبحت بعض جماعات التكفير لا ترى مسلمًا على الأرض غير مَن انتمى لجماعتهم، وإن كانوا يعدون على أصابع اليد الواحدة أحيانًا! ومع خطورة هذا المسلك فإن مسلك "المرجئة" في غاية الخطورة هو الآخر؛ لأنهم في سبيل الهروب من تكفير مرتكب الكبيرة زعموا أنه مَن نطق بالشهادتين لا يضره بعد ذلك ما فعل!

فحال الخوارج كحال مَن يقضي على المريض بالقتل بدلاً من العلاج، وحال المرجئة كحال مَن يجعل أكثر الناس مرضًا مقياسًا للصحة والعافية!

والحق وسط بيْن هذا وذاك, فإن القرآن والسنة يدعوان إلى الصورة المثالية ويرغبان فيها, ويرهبان من أية مخالفة, ولكن هذا مع وجود نصوص تبيِّن أن مرتكب الكبيرة لا يكفر وأنه ما زال في دائرة الإسلام، فنرى في سياق الكلام على كبيرة من أكبر الكبائر والتغليظ في حقها وهي قتل المؤمن يقول الله -تعالى-: ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ) (البقرة:178) .

وبهذا يتبين لنا أن الدعوة إلى الصورة المثالية لا يعني تكفير مَن خالفها، بل لا يكفر إلا مَن حكم الله بكفره بارتكابه ناقضًا من نواقض الإيمان، وأما المعاصي فتنقِص الإيمان، ولكن لا تزيله بالكلية.

وبهذا العرض نكون قد انتهينا من الكلام على معالم صلاح الفرد، وفي المقال القادم -بمشيئة الله- نتكلم عن صلاح المجتمع والدولة.

الصفحة السابقة