شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مناهج الإصلاح (3) معالم صلاح الفرد

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

خلق المسلم لا يتجزأ، فهو ليس كخلق اليهودي.. وليس كخلق إنسان الغرب الاستعماري الذي يتعامل داخل أوطانه بأخلاق وفضائل مثالية، فإذا تعامل مع البلاد الأخرى سرق وظلم، وطغى واستكبر!

والقرآن الكريم يحدثنا عن الإيمان مجسدًا في أخلاق وفضائل، كما في قوله -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) (المؤمنون:1-9) .

والرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- يحدثنا عن الإيمان كذلك في صورة أخلاق وأعمال وفضائل، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ ) (متفق عليه) ، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ( الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَابًا، أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ) (رواه البخاري ومسلم) .

والعبادات الشعائرية المفروضة من شأنها أن تثمر زكاة النفس بالفضائل، وطهارتها من الرذائل، كما أشار إلى ذلك القرآن إذ يقول الله -تعالى- في شأن الصلاة: ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (العنكبوت:45) ، ويقول في شأن الزكاة: ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ) (التوبة:103) ، وفي شأن الصيام: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ) (رواه البخاري) ، وقال: ( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

وخلق المسلم لا يتجزأ، فهو ليس كخلق اليهودي الذي يحرِّم الربا في تعامله مع مثله، ويستحله في تعامله مع الآخرين، وليس كخلق إنسان الغرب الاستعماري الذي يتعامل داخل أوطانه بأخلاق وفضائل مثالية، فإذا تعامل مع البلاد الأخرى سرق وظلم، وطغى واستكبر!

المسلم يعدل مع مَن يحب ومَن يكره، مع القريب الأقرب، ومع العدو الأبعد، ( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ) (النساء:135) ، ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) .

4- صلاح المعاملة:

والمسلم مع التزامه بالخلق والفضيلة؛ فهو ملتزم كذلك بمنهج رباني، بشريعة محكمة مفروضة عليه من ربه، أحلت له الحلال وحرمت عليه الحرام، وحددت له الواجبات وبينت له الحقوق، وفصلت له كل ما يحتاج إليه؛ فلم تدعه هملاً، ولم تتركه نهبًا للفلسفات والأنظمة البشرية المتضاربة، تميل به عن يمين وشمال، بل رسمت له "الصراط المستقيم" وألزمته بالسير فيه، مراعية ما يعرض عليه من ضرورات، فأباحت له بعض ما حظرت عليه بقدر ما توجب الضرورة وحجمها وزمنها، من غير بغي ولا عدوان، كما قال -تعالى- في شأن الأطعمة المحرمة: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (البقرة:173) .

فالمسلم في علاقاته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية مقيد بأحكام الشريعة الإلهية، فهو يتزوج أو يطلق، ويبيع ويشتري، ويستأجر ويؤجر، ويكتسب وينفق، ويتملك ويهب، ويرث ويورث، ويحكم ويحتكم، ويسالم ويحارب - وفقًا لأوامر الشريعة ونواهيها، واقتضائها وتخييرها، فما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.

وإذا كان صلاح العقيدة والعبادة يغلب عليهما طابع الصلاح الفردي المحض رغم ما يمهدان له من الصلاح المتعدي؛ فإن جانب صلاح الأخلاق والمعاملات يمثلان القنطرة التي تربط باب صلاح الفرد بباب صلاح المجتمع، ويستكمل الفرد بهما أهليته ليكون عضوًا صالحًا في مجتمعه مصلحًا له، ويلاحَظ التداخل بين باب الأخلاق وباب المعاملات؛ إلا أنه متى ذكرنا كلاً منهما على حدة فنعني بالأخلاق الهيئة الراسخة في النفس التي تدفعها إلى فعل المكارم وترك الرذائل، ويظهر أثر ذلك في التعامل فيُعطى كل ذي حق حقه أو يتفضل بما هو أكثر من الحق، وأما المعاملات فنعني بها معرفة الحقوق والواجبات في كل أنواع المعاملات التي يتعرض لها الإنسان.

تنبيهات مهمة تتعلق بصلاح الفرد

1- الصلاح الإنساني والصلاح المادي:

الصلاح الذي قررنا أن الإسلام يجب أن يمثِّل المرجعية العليا فيه هو الصلاح الإنساني، وهو ما يتعلق بالإنسان من حيث كونه إنسانًا لا من حيث لونه أو جنسه أو مهنته أو غير ذلك، وكذلك المجتمع، وأما الصلاح المادي الذي يحتاج إليه الأفراد والمجتمعات فيرجع فيه إلى السعي في الأرض واستكشاف سننها، ويؤخذ بالتجارب البشرية من المسلمين والكفار على حد سواء ما دام قد روعيت فيه ضوابط الشرع، ومع هذا فقد أرشد الإسلام المسلم أن يعمل لدنياه بما تيسر له من فروع الإنتاج؛ زراعة أو صناعة أو تجارة أو رعيًا أو صيدًا، أو استخراجًا لما في الأرض، أو غير ذلك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية