الإخوان الأولون والإنصاف!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن أعظم أخلاق الإسلام "خلق الإنصاف" الذي هو العدل قولاً وفعلاً مع الموافق والمخالف، ومع العدو والحبيب، قال الله -تعالى-: ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ) (الأنعام:152) ، وقال -تعالى-: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) (المائدة:8) ، أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل معهم.
ولا شك أن التجمُّل بهذا الخلق يجمل به العبد عند الله وعند الناس, فالناس يحبون المنصف ذا الأخلاق العالية، ويذمون الظالم المتجاوز في أعراض الآخرين، ويحسن الإنصاف أكثر إذا كان مع المخالف أو المعادي، ولا شك أيضًا أن هذا خلق كل صالح من المسلمين بخلاف الخوارج بطوائفهم الذين يستحلون دماء وأعراض وأموال المسلمين!
وإن العجب ليطول ممن ينتسب إلى العلم والدعوة وهو يستبيح عرض إخوانه المسلمين سبًّا وغِيبة ونميمة، وتشويهًا وصدًّا للناس عنه, وتربصًا للساقطة واللاقطة, وتناسوا الوعيد الشديد الذي ورد في ذلك! أو أن يكون من أهل البدع التكفيريين!
وإن من أكثر الناس الذين استبيحت أعراضهم هم علماء وشيوخ "الدعوة السلفية" القائمين على إدارتها، وإدارة حزبها السياسي "حزب النور".
وللجميع أقول:
لكل حزب رؤية سياسية في الإصلاح تختلف عن رؤى الأحزاب الأخرى حتى وإن قلنا بجوازها في الدولة الإسلامية التي يعلو أنظمتها شرع الله -تعالى- بتقديم برامج إصلاحية، والجميع يصب في مصلحة البلاد والعباد.
أما منطق "مَن لم يكن معنا فنحن عليه!": فليس بمنطق أهل العدل والإنصاف؛ فضلاً عن أهل الإسلام أصحاب السياسة الشرعية, وهو في رؤيته يسعى للتوافق مع مَن يوافقه في الرؤية، وهذا الذي ذكرتُه ذكره أمين عام جماعة الإخوان المسلمين في بيانه الأخير الذي رد على بيان الدكتور "صلاح سلطان" حيث قال: "لكل جماعة وحزب سياسي اجتهاداته بناءً على ما توفر لديه من معلومات!".
والسؤال: فلماذا أبحتم لكم الاجتهاد بما توفر لديكم من معلومات، وحرمتم علينا الاجتهاد بنفس المبررات والمعطيات التي ذكرتموها؟! ولماذا الحرب على المخالف وهو اجتهاد كما ذكرتم -خاصة من السلفيين وحزب النور-؟!
وأنا ذاكر لكم مواقف إنصاف من أوائلكم في حق "عبد الناصر" الذي قال الأستاذ "محمود عبد الحليم" -رحمه الله- في ذمه ما يلي: "كراهيتنا لجمال عبد الناصر أمر مقرر ومفروغ منه وأسباب ذلك كلها تتصل بالله... وجمال عبد الناصر بلونا منه النفاق والكذب، والغدر والخديعة، والتجرد من الشرف والأخلاق!". ولم يمنعهم ذلك من الإنصاف معه، والتعامل معه بما فيه مصلحة البلاد والعباد، فمن ذلك ما ذكره الأستاذ "محمود عبد الحليم" من قول عبد الناصر للمرشد بعد (ثورة 52): "قد يقال لك: إن إحنا اتفقنا على شيء... إحنا لم نتفق على شيء!"، قال: "وكانت مفاجأة... فقد كان اتفاقنا أن تكون الحركة إسلامية ولإقامة شرع الله، واستمرت المقابلة في مناقشات أنهاها المرشد بقوله لجمال عبد الناصر: اسمع يا جمال... ما حصلش اتفاق، وسنعتبركم حركة إصلاحية... إن أحسنتم فأنتم تحسنون للبلد، وإن أخطأتم فسنوجه لكم النصيحة بما يرضي الله" (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ:3/ 24) .
ومن ذلك أيضًا: عندما قارب (معتقل 54) على الانتهاء: "اجتمع إخوان الهيئة التأسيسية الذين بالمعتقل وناقشوا قضية كان لابد من مناقشتها؛ تلك هي أنهم حين يخرجون إلى الحياة سيجدون مجتمعًا ذا صبغة معينة، وسيجدون حكومة هي وليدة الصراع الذي كان بينهم وبين الثورة، فما سيكون موقفهم منها، ومن هذا المجتمع؟ هل يقفون منها موقف المقاومة أم موقفًا سلبيًّا أم يتجاوبون معها؟!
وقد تمخض نقاشهم عن قرار مؤداه: أننا مهما كان رأْينا في الحكومة فإن الشعب الذي تحكمه هو شعبنا، ومسئوليتنا عن مصالحه لا تقل عن مسئوليتها؛ فعلينا أن نتعاون معها فيما يعود على هذا الشعب بالخير، منحِّين جانبًا ما بيننا وبينها من خلاف سياسي، وبذلك نكون في كل أحوالنا متجاوبين؛ فيما عدا الاتجاه السياسي" (السابق:3/ 453) . وغيرها من المواقف كثير فيها إنصاف ونظرة للمصلحة العليا، وتقديمها على المصلحة الخاصة.
ومن ذلك أيضًا: ثناء الأستاذ محمود على عبد الناصر في موقفه من كسر حظر السلاح، وكان هذا الثناء وهو في السجن تحت وطأة التعذيب! وهذا -حقًّا- إنصاف عجيب لا تقوم به إلا النفوس التي تخلصت من مرادات أنفسها لمرادات الشرع الشريف!
يقول -رحمه الله-: "جريًا على أسلوب الطغمة الحاكمة في محاولة عزل المجتمع الإخواني عن الحياة كان محرمًا دخول الصحف إلى السجن، كما كان محرمًا وجود الراديو... إلا أننا فوجئنا في يوم من الأيام بفتح الزنازين ووجود جهاز الراديو بمكبر للصوت في فناء السجن، وسمعنا الإذاعة المصرية لأول مرة منذ وصولنا إلى عتبة هذا السجن، وقد توقعنا من هذا الإجراء المفاجئ أنهم يريدون أن يسمعونا خبرًا ذا بال، وكان ما توقعناه، فسمعنا المذيع يلقي إلى المستمعين في أسلوب ينم عن الزهو والتفاخر أن الرئيس جمال عبد الناصر استطاع أن يكسر احتكار السلاح، وموضوع احتكار السلاح موضوع قديم، وكان دائمًا إحدى الدعائم الأساسية التي يقوم عليها صرح السياسة الغربية، حيث كانت صلاتنا مقصورة على الكتلة الغربية دون الكتلة الشرقية التي لم نكن نعترف رسميًّا بها -ولم نعترف بها إلا قبيل الثورة-، وكانت سياسة الدول الغربية ألا تبيعنا من السلاح إلا ما تشاء لا ما نريد؛ حتى تضمن أن نكون في حدود معينة من القوة لا نتعداها لنظل دائمًا دائرين في فلكها.