الإخوان الأولون والإنصاف!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
وقبل إذاعة هذا النبأ علينا كان قد تسربت إلينا أنباء عقد مؤتمر باندونج، وقد نوقشت أنباء هذا المؤتمر على أساس ما تصل إلينا من قصاصات من الصحف تحمل بعض أنبائه، ولم تكن صورة هذا المؤتمر واضحة في أذهاننا؛ لأن الدول التي اشتركت فيه لم تكن تبلورت مواقف كثير منها بعد، ولكننا مع ذلك لم نحسن الظن به؛ لأن الدول الشيوعية الكبرى كانت مشتركة فيه، وقد لاحظنا أن رئيس وزراء الصين شوايين لأي -وهو أحد دهاقين السياسة- كان محتفيًا بجمال عبد الناصر احتفاءً أحسسنا أن له مغزى، وأن له هدفًا، وكانت الصين لا تزال بعد حليفة لروسيا، وكانت يدها اليمني كما يقولون، ويبدو أننا كنا على صواب في نظرتنا إلى هذا المؤتمر... فقد تمخض هذا المؤتمر عن قرارات رائعة، ولكنها جميعًا كانت حبرًا على ورق، مثل: وثيقة حقوق الإنسان التي أصدرتها الأمم المتحدة، أما النتائج العملية المحسوسة التي أسفر عنها فكانت فتح أبواب مغلقة في وجه الشيوعية الدولية.
وجاءت خطوة كسر احتكار السلاح مفاجأة لنا وللعالم كله، وبدا بها "جمال عبد الناصر" بطلاً تاريخيًّا حيث صار أول حاكم لمصر استطاع أن يخرج ببلده من النطاق المضروب عليها من الغرب، إذ وصل السلاح الذي تريده مصر إليها من تشيكوسلوفاكيا أولاً ثم من روسيا بعد ذلك، ولا شك في أن هذه الخطوة أغضبت دوائر الغرب قاطبة باعتبارها إفلاتًا من قبضتها، ووقف الإخوان في السجن حائرين أمام هذه الخطوة يريدون أن يصلوا فيها إلى رأي، وكثرت المناقشات حولها، واختلفت الآراء... ولاحظت أن أكثر الاختلاف كان ناشئًا من تحكيم العاطفة بدلاً من تحكيم العقل والمنطق!
وجاءني فريق من الإخوان يسألونني الرأي في الموضوع فكانت إجابتي على الصورة التالية: أولاً: نحن الإخوان المسلمين كنا أول من دعا منذ عام 1937م إلى تسليح الجيش وتسليح الأمة بأحدث الأسلحة متحدين في ذلك إرادة الحكومة المصرية والقصر والإنجليز، مثيرين بذلك الدهشة والاستغراب في أوساط الأحزاب المصرية بما فيها حزب الوفد، وقد نشرت جريدة "المصري" حديث المرشد العام حسن البنا في ذلك الموضوع على أنه إحدى المفاجآت والأعاجيب -وقد أشرنا إلى ذلك في الجزء الأول من هذه المذكرات-.
ثانيًا: كراهيتنا لجمال عبد الناصر أمر مقرر ومفروغ منه، وأسباب ذلك كلها تتصل بالله، ولكن هذه الكراهية لا تمنعنا من الثناء على عمل نافع إذا صدر عنه، فكراهيتنا لشخصه لا تحملنا على الغض من كل ما يصدر عنه من عمل؛ لأن المسلم يجب أن يكون متخلقًا بخلق القرآن الذي يقول: ( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) .
ثالثًا: إذا نظرنا إلى العمل في ذاته وجدناه عملاً نافعًا؛ لأنه إخراج للبلاد من الدائرة المفرغة التي تدور فيها منذ بدء الاحتلال البريطاني، وتقوية الجيش وتسليحه بأسلحة حديثة أمر مطلوب شرعًا، وهو مطلبنا من قديم نحن الإخوان.
وهنا توجه إليَّ هؤلاء الإخوة بسؤال آخر فقالوا: أما وهذه الخطوة خطوة نافعة؛ فلماذا لم يقدم عليها أحد من حكام مصر السابقين، وأقدم عليها جمال عبد الناصر؟
فكانت إجابتي على سؤالهم هذا كما يلي: جمال عبد الناصر بالرغم من أننا بلونا منه النفاق والكذب، والغدر والخديعة، والتجرد من الشرف والأخلاق، فلا نستطيع أن ننكر أن فيه لمحة من عبقرية، وأن له طموحًا يفوق كل تصور، وهو يعلم أن الذي منع سابقيه من الإقدام على هذه الخطوة هو خوفهم من الفشل دون إتمامها؛ لأنهم سيواجهون العالم الغربي كله، والرجل إذا كان له مجد شعبي يحرص عليه، يحسب ألف حساب لكل خطوة يقدم عليها؛ لأن مخاطرته إذا لم يكتب لها النجاح فلن تودي به وحده، بل ستودي به وبمن وراءه ومن هو مرتبط بهم، أما إذا لم يكن له مجد شعبي فعلي أي شيء يخشي إذا هو فشل؟ وتوضيح ذلك أن الذين حكموا مصر قبل جمال عبد الناصر أحد رجلين: إما رجل ارتبط بالشعب وهو الوفد، وإما رجل ارتبط بالملك وهم الأحزاب الأخرى، فأما الوفد فإنه كان يمثل تراثًا شعبيًّا ضخمًا تم بناؤه في عشرات السنين، وتحت وطأة ظروف قاسية، فإقدامه على مثل هذه الخطوة مخاطرة إذا قدر لها الفشل تحطم هذا البناء، وضاع هذا التراث العزيز، وأما الأحزاب الأخرى فما كان لها أن تقدم على خطوة فيها إغضاب المستعمر الذي هو سند القصر الذين هم سدنته وخدمه.
لهذا رأى جمال عبد الناصر أمامه فرصة سانحة إذا أقدم عليها ففشل فلن يخسر شيئًا؛ لأنه هو نفسه لم يكن شيئًا حتى يقال إنه فقد شيئًا، كالمفلس إذا قامر يقامر وهو مطمئن؛ لأنه إما أن يكسب فيغتني من العدم، وإما أن يخسر فلا تضيره الخسارة، والمثل العربي يقول: "أنا الغريق فما خوفي من البلل؟!".
كان هذا هو ملخص رأيي الذي أدليت به إلى الإخوة الذين جاءوا يسألونني... ويبدو أن هؤلاء الإخوة أذاعوا هذا الرأي في أنحاء المعتقل حتى وصل إلى أسماع جبهة إخواننا الكبار، الذين ساءهم أن يصدر هذا الرأي عني، فأرسلوا إليَّ يطلبون الالتقاء بي، وتم الالتقاء بهم، وكان الأخ البكباشي "معروف الحضري" أشدهم غضبًا، ولم أكن من قبل على صلة بالأخ معروف، فكانت هذه أول مرة نلتقي فيها ونتعارف، وفهمت من إخواننا هؤلاء أنهم كانوا يريدون ألا يصدر عني ما فيه إطراء لعمل يأتيه رجل فعل بنا ما فعل مهما كان العمل في ذاته جليلاً! وقد رددت عليهم بأن هذا يتعارض مع الخلق الإسلامي الذي قرره القرآن الكريم، وقرره عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين التقى بالرجل الذي قتل أخاه ضرارًا، وكان الرجل قد أسلم فقال له عمر: والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم، فقال له الرجل: وهل يمنعك هذا أن تؤدي إليَّ حقي؟ قال عمر: لا. قال الرجل: فلا عليك إذن فإنما يبكي على الحب النساء!