الإخوان الأولون والإنصاف!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
أما الأخ معروف فكان اعتراضه منصبًا على ما وصفت به عبد الناصر في هذا التصرف من أنه عبقري، وقد غضب أشد الغضب من وصفي جمالاً بالعبقرية في هذا التصرف، وقال: كيف تصف بالعبقرية رجلاً لا وفاء عنده ولا خلق ولا شرف... ولم يستطع الأخ معروف أن يستسيغ أن يكون إنسان موصوفًا بالذكاء والتفوق الفكري والنضج العقلي، وهو في نفس الوقت فاقد كل ما يتعلق بالنفس من صفات خلقية: كالصدق، والوفاء، والمروءة، والشرف... !
ثم أخذ يدلل على صواب رأيه وخطأ رأيي، فقص عليَّ القصة التالية فقال: "بايعنا الأستاذ الإمام حسن البنا على المصحف والمسدس باعتبارنا عسكريين في عام 1941م، وكان معنا في المبايعة جمال عبد الناصر، وكانت تربطني بجمال صداقة شخصية وعائلية، كما كانت تربطنا كلينا رابطة صداقة من نفس الدرجة بالأخ عبد المنعم عبد الرءوف الذي اختير مسئولاً عن تنظيم الإخوان في الجيش، ثم علمنا أن جمال أنشأ تنظيمًا آخر خاصًا به لا يتقيد بمقاييس الإخوان، وحاول استغلال صداقته لي في جذبي إلى تنظيمه فرفضت، وحاول إغرائي بكل وسائل الإغراء ولكنه فشل، فلجأ إلى أسلوب الإحراج بأن انتهز فرصة مناسبة من المناسبات فدعاني إلى حفلة في منزله فوجئت بأنها تضم أعضاء تنظيمه، وقدمت المرطبات، ثم وقف جمال ليتكلم فرحب بالذين لبوا الدعوة وشكرهم ثم خصني بالشكر، وقال: وأبشركم بانضمام الأخ معروف الحضري إلى تنظيمنا... ففهمت في الحال أن الحفل إنما أقيم وافتعلت له المناسبة، وكان المقصود منها إحراجي ووضعي أمام أمر واقع، ولكنني بالرغم من المفاجأة ومن الإحراج الذي أحكمت حلقاته حولي تمالكت أعصابي وشكرت جمالاً على تقديره لي وشعوره نحوي، وأبديت اعتذاري بأنني لا أستطيع أن أتخلي عن تنظيمي، ولا أستطيع أن أعمل في تنظيمين معًا... وكانت هذه آخر محاولة لجأ إليها لجذبي إلى تنظيمه، ولكنني عرفت بعد ذلك أنها لم تكن آخر ما في جعبته من أساليب!
ثم جاء جمال بعد ذلك إلى منزلي، وأفهمني أنه يريد أن يسر إليَّ بحديث خاص دفعه حبه لي إلى الإفضاء به إليَّ، فقال لي: يا معروف: هل بينك وبين عبد المنعم سوء تفاهم؟ قلت: لا، فأبدي تعجبه وقال: إذن فلمَ هذا الكلام الذي يقوله عنك؟ يبدو أنه يخشى على منصبه في التنظيم من وجودك فيه، لقد كنا معًا بالأمس، وجاءت سيرتك فقال: أنا لا أستخف دم هذا الشخص؛ لأنه يعمل في هذا التنظيم لشخصه، وسأحاول بتره من التنظيم. يقول معروف: ووقع مني كلام جمال موقع المفاجأة، وكدت أشك فيه لولا أنني في أول لقاء لي مع عبد المنعم لاحظتُ أنه معرض عني، وينظر إليَّ شزرًا؛ مما أكد لي صدق جمال فيما نقله إليَّ، فما كان مني -وأنا بشر- إلا أن قابلت إعراضه بإعراض وتجاهله لي بتجاهلي له، واستمر الخصام بيني وبين عبد المنعم لا أكلمه ولا يكلمني حتى قامت الثورة، وجمعني وإياه السجن الحربي حيث اعتقلنا جمال، فأخذنا نستعيد الأحداث ونتعاتب، وفي هذه اللحظة فقط فهمنا أن جمالاً استطاع أن يوقع بيننا بأن أسر إلى كل منا على انفراد حديثًا مختلفًا يوغر صدر كل منا على أخيه، وقد نجحت حيلته في شل حركتنا بعد أن يئس من اجتذابنا إلى تنظيمه".
وهنا قال لي معروف: فهل مثل هذا الرجل الذي يستبيح الكذب، ويوقع بين الناس ويسعي بينهم بالنميمة... يقال عنه: إنه عبقري؟!
فقلت له: يا أخي معروف... العبقرية صفة تتصل بسرعة الخاطر، وإحكام التدبير، وبُعد النظر، وبراعة التخطيط للوصول إلى الأهداف التي يسعى صاحبها للوصول إليها، ولا تتصل بالأخلاق، والنبل والوفاء، والمروءة والضمير... فقد يكون الرجل عبقريًّا وليس على شيء من الخلق والضمير، وقد يكون الرجل وفيًّا صادقًا نبيلاً، ولا نصيب له في العبقرية، وقد يجمع بعض الناس بين العبقرية والخلق؛ هؤلاء هم الذين جمعوا أطراف الكمال الإنساني وهم القلة دائمًا، وأنا حين وصفتُ جمالاً بالعبقرية وصفته وأنا أعلم أنه من الصنف الأول الذي ليس له نصيب من خلق ولا دين، ولا شرف ولا ضمير، واسمح لي يا أخي معروف أن أقول لك: إنك بما قصصته الآن عليَّ، قد أضفت برهانًا آخر على عبقرية جمال كما أضفت برهانًا جديدًا على سذاجتنا، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "المؤمن كيس فطن" (1) ، وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يصف نفسه فيقول: "لست بالخبَّ، ولكن الخب لا يخدعني".
هذه قضية عرضت لنا في أثناء وجودنا بهذا السجن أردت بإيرادها أن أثبت أن حيوية الإخوان لم تستطع كل أساليب القهر والكبت والإذلال أن تحتويها، ولا أن تنال منها ولا أن تُحد منها، ثم إنني قصدت عرضها على جمهور القراء ليناقشوها وهم متمتعون بالحرية كما ناقشناها ونحن تحت وطأة ظروف قاسية، ربما كان لها بعض التأثير في حكمنا على الأمور، وقد قرأت في هذه الأيام في كتاب "جمال عبد الناصر" للأستاذ "أحمد أبو الفتح" في صفحة 262 ما يمس هذا الموضوع حيث يقول: "إن صفقة الأسلحة في الحقيقة كانت بمثابة العصا السحرية التي مست قلوب الشعوب العربية فحولتها بسرعة فائقة إلى حب وتقدير، بل تقديس لشخص جمال عبد الناصر، لقد كانت الأسلحة الروسية نقطة تحول حاسمة في سياسة عبد الناصر، فقد أوضحت له معنى لم يكن يعرفه من قبل، ورسمت له الطريق نحو زعامة لم يصل إليها أي زعيم عربي من قبل، لقد أوضحت له معنى: وهو أن مشاعر العرب يمكن إثارتها وكسبها عن طريق مناهضة الغرب والوقوف في وجهه".
وقد رأيت أن أنقل رأي الأستاذ "أبو الفتح" في هذا الموضوع، لأن الأستاذ "أحمد أبو الفتح" وإن كان ليس من الإخوان المسلمين فإنه من الكتَّاب المنصفين، وقد ناله من ظلم جمال عبد الناصر وغدره مثلما نالنا" (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ 3/ 445-450) .
فهل مِن معتبر؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حديث موضوع، لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.