بين "توفيق الحكيم" و"عبد الناصر"!
عصام حسنين • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان "عبد الناصر" عضوًا في التنظيم السري للإخوان -كما قدمنا-، وقد قام بالثورة مع الضباط الأحرار بمساندة الإخوان إلا أنه انقلب عليهم.
ويذكر لنا الأستاذ "محمود عبد الحليم" مجمل هذا الصراع في النقاط الآتية، فيقول -رحمه الله-:
"1- نشأته في أحضان الإخوان المسلمين.
2- قيامه "بالثورة" في حماية الإخوان المسلمين بعد التعهد بجعلها لحساب الإسلام.
3- نجاح "الثورة" والتملص من العهد.
4- محاولات لاحتواء هيئة الإخوان المسلمين وتطويعها لإدارة "عبد الناصر" وأهوائه بوسائل... منها:
أ- اللف والدوران حولها.
ب- إنشاء هيئات ضرار بجانبها.
ج- استغلال قيادة النظام الخاص في افتعال فتن داخلية.
د- إصدار قرار بحل الهيئة واعتقال المرشد العام، وقيادات الهيئة مع تسويء سمعتها باللجوء إلى الكذب.
5- فشل كل هذه الجهود، واضطرار "عبد الناصر" للتظاهر بالإذعان مع تنويم الإخوان مستغلاً في ذلك ما هو معروف عنهم من تمسكهم بعهودهم؛ حيث دبَّر في ظل ذلك مظاهرات مأجورة قلبت الوضع وجعلته في موقف القوة وجعلت الإخوان في موقف الضعف.
6- محاولة لتدارك الموقف بعد أن أخذ في التدهور السريع في محاولة للحصول على هدنة يسترد الإخوان فيها أنفاسهم، ويراجعون فيها خططهم على ضوء واقع جديد، وفشل هذه المحاولة.
7- محاولة "عبد الناصر" خلع المرشد العام، وتسخير وسائل الإعلام لنشر الأكاذيب عن الإخوان، مع حرمان الإخوان من جميع وسائل النشر.
8- فشل هذه المحاولة وظهوره بنفسه على المسرح.
9- استخدامه جميع وسائل البطش والإرهاب عام 1954م؛ مما لم يسبق له مثيل بقصد إبادة الهيئة، مع تسخير جميع وسائل الدولة وإمكاناتها في ذلك!
10- أحكام الإعدام والسجن المؤبد "وبآلاف السنين!" على مختلف أفراد الإخوان، مع استعمال كل أساليب التعذيب حتى الموت!
11- إعادة الكَرة مرة أخرى عام 1965م، وكانت الأولى لحساب الغرب، أما هذه المرة فكانت لحساب السوفيت، وفي هذه المرة كانت على أوسع نطاق وبوسائل تعذيب وإبادة مستحدثة للقضاء هذه المرة لا على الإخوان المسلمين فقط، بل على كل مَن يمتون إلى الفكرة الإسلامية بسبب مِن قريب أو من بعيد" (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ: 3/ 556) .
هذا مجمل انقلاب "عبد الناصر" على الإخوان، وقد كان له آثاره السيئة على تاريخ مصر منذ الثورة إلى يومنا هذا بتحويل مصر إلى سجن كبير لجميع المصريين يُفتح تارة ويغلق أخرى، فقد كان "عبد الناصر" مثالاً للحاكم المستبد الذي يغضب من كلمة: "لا"، وكان حلمه إذا حكم مصر أن يحرك البلد بزر كما يريد!
وهذا يحكيه لنا الأستاذ "محمود" عندما اجتمع "عبد الناصر" بمجموعة من الإخوان بعد الثورة في بيت "عبد القادر حلمي"... وبعد الانتهاء من طعام الغداء: "جلس عبد الناصر يتحدث عن هيئة التحرير وعن رغبته أن تنصهر داخلها جماعة الإخوان المسلمين؛ لتكون تنظيمًا قويًّا وجنح جمال، وقال بخبث: أنتم عصاة... فناداه فريد عبد الخالق: يا جمال، إنني أري الجو ينذر بصدام ليس من مصلحة أحد في البلد أن يقع... وكنت بذلك أشير إلى رغبته في أن تنصهر جماعة الإخوان داخل هيئة التحرير، وكذلك لعدة مواقف اعتبرناها عدائية، وكانت مظاهرها حذف الرقابة جميع بيانات الجماعة وعدم نشرها في الصحف.
فأجابني: أعملكم إيه... ما أنتم عصاة... !
تعجبت لرده، وقلت له مستنكرًا: عصاه! دي كلمة كبيرة يا جمال... عصاه ليه... هل نحن نقف موقفًا عدائيًّا من الأهداف الوطنية للثورة ومصلحة البلد؟! إننا نريد تحقيق الديمقراطية وعودة الحياة النيابية.
فأجابني بسرعة: ما أنتم كده بتحرجوني... طالبين انتخابات حرة... يعني عايزين النحاس باشا يرجع تاني وتعود نفس الأوضاع... أنا بقول لكم: ادخلوا هيئة التحرير وتولوا أنتم أمرها، وتصبح هي مسرح نشاطكم... وأنتم بترفضوا.. عايزين إيه أمال؟ فقلت له: اسمع يا جمال... إحنا بنصارحك، الديمقراطية لا بديل لها، وأنت يجب أن تكون عندك الثقة في أن الشعب سيتمسك بك ولن يرضي عنك بديلاً... أما أن تتشكك في ذلك فهذا أمر غريب فعلاً... لماذا تتشكك؟!
أما بالنسبة لدخولنا هيئة التحرير، فليس هناك تعارض من أن تقود أنت التنظيم السياسي عن طريق هيئة التحرير ونبقي نحن دعاة للتربية الإسلامية، أما رأيك أن تندمج الجماعة مع هيئة التحرير فهذا بالضبط أشبه بمن يضع زيتًا وماءً في زجاجة ويحاول أن يمزجهما ببعض... مش ممكن أبدًا يمتزجان... ومن الأفضل للإسلام وللبلد ولكَ أن نبقي بعيدين عن السياسة ومؤيدين لك كحركة إسلامية... والتزام الحكمة وضبط النفس يمكن أن يكون جسرًا لتعبر من فوقه الأزمة... وليس من هدفنا نهائيًّا أن ننافسك في الحكم فنحن لا نريد الحكم؛ ولذلك لا أرى أي سبب للتصادم وعدم تقبل النصيحة، وخاصة أن المرشد قال لك عند بدء الخلاف بالحرف الواحد: يا جمال، عندما تشعر بضيق من الإخوان بلغني وأنا أسلمك مفتاح المركز العام ونقفلها حتى لا تقع فتنة.
وصمت جمال للحظات... وأحسست أنه لا يجد ما يرد به... وفجأة تكلم ليكشف لي بما في داخل نفسه، وقال: اسمع يا فريد... أقولك اللي في نفسي وأخلص... أنا عندي فكرة مستولية عليَّ ولا أعرف إذا كانت غلط ولا صح... ؟!
أنا عايز في خلال سنتين ثلاثة أوصل إلى إني أضغط على زر... البلد تتحرك زي ما أنا عايز... وأضغط على زر... البلد تقف...
فضحكت وقلت له: إحنا بقالنا 27 سنة بنعمل لتربية نشءٍ من المسلمين يفهم الإسلام فهمًا متكاملاً ويعمل على هدى منه، ولا نقول رغم ذلك: إننا بلغنا درجة إن إحنا نجمع الإخوان في لحظة ونفرقهم في لحظة... اسمع يا جمال: أنت بتفكر وكأنك ضابط في معسكر يصدر الأمر فينفذ في الحال، لكن تغيير مسار المجتمعات لا يمكن إلا في جو من الحرية والديمقراطية؛ يسمحان بازدهار المفاهيم الصحيحة والقيم السليمة، فأصر على رأيه قائلاً: الحقيقة... ده اللي سيطر على تفكيري.
فأتممت حديثي قائلاً: إذا كان كده... فلا فائدة من نصيحتي أو نصيحة غيري، وهذا شيء مؤسف جدًّا... والذي سيحكم لك أو عليك هو التاريخ!