شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بين "توفيق الحكيم" و"عبد الناصر"!

عصام حسنين • السيرة والتاريخ

وانتهي بذلك حديثنا... وانصرف جمال مع إخوانه، وبقينا نتناقش ونضحك عن رغبته أن يضغط على زر فتتحرك البلد كما يريد، ويضغط على زر فتقف البلد... كنا نعتقد أنه يحلم، ولكنه استطاع فعلاً أن يحقق الحلم بعد ذلك" (السابق: 3/ 28) .

هذا الحلم الذي صار حقيقة يكلمنا عنه الأديب "توفيق الحكيم" الذي نزله "عبد الناصر" منزلة "الأب الروحي" لـ"ثورة 23 يوليو"؛ بسبب "عودة الروح" التي أصدره الحكيم عام 1933م، ومهَّد به لظهور "البطل المنتظر" الذي سيحيي الأمة من رقادها، ومنحه "جمال عبد الناصر" عام 1958م قلادة الجمهورية، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1960م، ووسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى في نفس العام، ولم يُذكر أن "عبد الناصر" منع أي عمل لـ"توفيق الحكيم"، حتى عندما أصدر "السلطان الحائر بين السيف والقانون" في عام 1959م، و"بنك القلق" عام 1966م، حيث انتقد النظام الناصري ودافع عن الديمقراطية!

ووصل الأمر أن "عبد الناصر" كان يستقبل "الحكيم" في أي وقت وبغير تحديد لموعد، وهو ما أكده "الحكيم" نفسه في جريدة "الأهرام" في 15 مارس 1965م.

وبعد وفاة "عبد الناصر" عام 1970م وأثناء تأبين "الزعيم" سقط "توفيق الحكيم" مغمى عليه وهو يحاول تأبينه، وبعد أن أفاق قال خطبة طويلة من ضمنها: "اعذرني يا جمال... القلم يرتعش في يدي، ليس من عادتي الكتابة والألم يلجم العقل ويذهل الفكر، لن أستطيع الإطالة، لقد دخل الحزن كل بيت تفجعًا عليك؛ لأن كل بيت فيه قطعة منك... لأن كل فرد قد وضع من قلبه لبنة في صرح بنائك!.

إلا أن "الحكيم" في عام 1972م أصدر كتاب "عودة الوعي" مهاجمًا فيه "جمال عبد الناصر" بعنف...? وقد ترتب على "عودة الوعي" ضجة إعلامية؛ حيث اختزل "الحكيم" موقفه من التجربة الناصرية التي بدأت كما ذكر: يوم الأربعاء 23 يوليو 1952م حتى يوم الأحد 23 يوليو 1973م، واصفًا هذه المرحلة بأنها كانت مرحلة عاش فيها الشعب المصري فاقد الوعي، مرحلة لم تسمح بظهور رأي في العلن مخالف لرأي الزعيم المعبود!

وأعلن في كتابه أنه أخطأ بمسيرته خلف الثورة بدون وعي قائلاً: "العجيب أن شخصًا مثلي محسوب على البلد هو من أهل الفكر قد أدركته الثورة وهو في كهولته يمكن أن ينساق أيضًا خلف الحماس العاطفي، ولا يَخطر لي أن أفكر في حقيقة هذه الصورة التي كانت تُصنع لنا، كانت الثقة فيما يبدو قد شلت التفكير... سحرونا ببريق آمال كنا نتطلع إليها من زمن بعيد، وأسكرونا بخمرة مكاسب وأمجاد، فسكرنا حتى غاب عنا الوعي... أن يري ذلك ويسمعه وألا يتأثر كثيرًا بما رأي وسمع، ويظل على شعوره الطيب نحو عبد الناصر! أهو فقدان الوعي؟! أ ? هي حالة غريبة من التخدير؟!" (ويكيبيديا: الموسوعة الحرة) .

"وفي 29-7-84 بجريدة الأهرام تحت عنوان: "ثرثرة مع الحكيم على فراش المرض" وهو نقاش يديره الأستاذ "صلاح منتصر" مع الأستاذ "توفيق الحكيم" ينشره في حلقات أسبوعية بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، وكان دور هذه الحلقة الرابعة من النقاش يدور حول كتاب "عودة الوعي" الذي أصدره توفيق الحكيم بعد وفاة عبد الناصر.

فرأيت أن أنقل منه فقرات تكون خاتمة لهذا الفصل: يقدم الأستاذ صلاح منتصر لنقاشه مع الحكيم بهذه المقدمة: لماذا كتب توفيق الحكيم "عودة الوعي"؟! لماذا قال عن عبد الناصر ما قاله بعد أن مات، وهو الذي منحه حيًّا أرفع الأوسمة وأعلاها؟! ماذا يقول لعبد الناصر عندما يلتقي به في الآخرة؟! ثم وجَّه إليه السؤال: ما الذي بهذا المفهوم أردتَ أن تقوله في "عودة الوعي"؟

الحكيم: أن تفتح الملفات... أن يكون هناك نقد موضوعي للنظام الذي استقبلته بالحماسة، والذي تحول شيئًا فشيئًا إلى نظام بوليسي، وأدى إلى هزيمة منكرة من عدو صغير، هزيمة أي دولة عسكريًّا ليست مصيبة، ولكن المصيبة الأعظم والأكبر والأخطر في هزيمتنا من إسرائيل هي أن البرلمان المفروض فيه أن الشعب اختاره ليسأل ويستجوب، لم يجرؤ نائب واحد من أفراده أن يقف ويقول: إنه مع حبنا وإجلالنا العميق لزعيمنا، فإننا في إطار حبنا له وإخلاصنا له وللثورة فإننا نريد أن يوضح لنا أمرًا واحدًا: كيف وقعت الهزيمة؟

مجرد سؤال يلقيه نائب واحد بكل الاحترام... لم نسمعه... وبدلاً من ذلك فإن الذي حدث في مجلس الشعب عندنا بعد الهزيمة... هو الرقص؟! نعم... نائب يرقص!

إذن كنا وكان نوابنا في حالة وعي غائب، أو في نظام جعل الناس يعتادون الهتاف والتصفيق، وغاب عنهم الوعي بضرورة السؤال والمناقشة.

سؤال: ماذا تقول لعبد الناصر عندما تلتقي به في الآخرة؛ لو سألك في هذا اللقاء عن أخطائه في الحكم... فماذا سوف تقول له؟!

الحكيم: سأقول له: إنك حاولت أن تكون أبًا يفعل ما لا يجوز أن يفعله الأب، عندما يحدد لابنه كل خطواته، ماذا يأكل وماذا يشرب؟ ومن يحب ومن يكره، ومن يتزوج؟ وماذا يقرأ، وماذا يقول؟ وأين يسهر، ومَن يصادق، ومن يعادي؟!

سأقول له: إنك جعلت البلد في إطار من صنع عبد الناصر، وهذا أدي بنا إلى فقد شخصيتنا، ووصل بنا إلى فقد وعينا! وعندما وقعت الهزيمة لم يجرؤ واحد على الوقوف وتوجيه مجرد سؤال بسيط عن سبب ما حدث!

وسأقول له أيضًا: إنك حجبت قراءة تاريخ مصر عن الشعب، وإنك أمسكت تاريخ مصر وضغطته ووضعته في جيب الثورة، وهذا أضعف شخصية مصر، بينما كانت مسئوليتك أن تثقف الشعب وتعلمه وتجعله يختار الطريق الذي يريده" (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ: 3/ 559-5560) .

هذا السجن الذي عاشته مصر والذي تتوق إليه بعض النفوس التي لا تستطيع أن تعيش حياة الحرية ينبغي أن يُغلق أبدًا، وأن يتطلع الشعب إلى حياة الحرية التي اكتسبها بثورة "25 يناير"، وأن يطالب بذلك من خلال الوسائل التي تحقق المصالح، وليس بمفسدة أكبر!

وأنا أرجو الله الكريم أن يديم علينا نعمة عبادته والدعوة إليه بحرية، وأن يتداركنا برحمته، وألا يؤاخذنا بذنوبنا وبما يفعله السفهاء منا، وألا ينزع هذه النعمة من العباد والبلاد، وأن يوفقنا لمراضيه حتى لا تنزع منا بذنوبنا. اللهم آمين.

الصفحة السابقة