دروس من الهجرة
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي هذا الوقت من العام دأب كثير من المسلمين على الاحتفال بذكرى هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما دأب كثير من الدعاة والخطباء فيه على تناول هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشرح والبيان والتحليل مما قد يرسِّخ عند العامة ارتباط بداية العام الهجري بالهجرة النبوية -"وإن كان مجرد الحديث عن الهجرة في هذا التوقيت أو الكتابة عنها لا بأس به؛ إذ لا يُعد تخصيصًا بعبادة، ومِن ثَمَّ فليس احتفالاً"- رغم أنه لم يثبت أن هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت في شهر الله المحرم، فقد كانت الهجرة النبوية الشريفة في شهر "ربيع الأول" الذي حوى ثلاث مناسبات شهيرة، وهي: "مولد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهجرته، ووفاته".
وقد اتفق الصحابة -رضي الله عنهم- على أن يؤرِّخوا بهجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- دون غزوة "بدر الكبرى" أول انتصار في الإسلام أو فتح مكة أو غير ذلك من المناسبات الحاسمة في تاريخ الأمة؛ لأن "الهجرة فرَّقت بيْن الحق والباطل" كما قال الفاروق عمر -رضي الله عنه-، فأخذ الصحابة بقوله ورأيه؛ ولأن بالهجرة تكوَّن النظام السياسي لدولة الإسلام، وتأسست في المدينة النبوية الدولة الإسلامية، وصار للإسلام شوكة وقوة.
ثم تشاور الصحابة -رضي الله عنهم- مِن أي شهر يكون ابتداء السنة؟ فقال بعضهم: من رمضان الذي قدِم فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة مهاجرًا، واختار عمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم- أن يكون مِن المحرم؛ لأنه شهر حرام يلي شهر ذي الحجة الذي يؤدي المسلمون فيه حجهم الذي به تمام أركان دينهم، والذي كانت فيه بيعة الأنصار للنبي -صلى الله عليه وسلم- والعزيمة على الهجرة، فكان ابتداء السنة الإسلامية الهجرية من الشهر الحرام "المحرم".
ومعلوم أنه لا يُشرع الاحتفال بهذه المناسبة؛ فإن هذا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من أصحابه -رضي الله عنهم- وتابعيهم بإحسان، وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإحداث في الدين، فعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدِثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ شَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
ولا شك أن واقعة الهجرة تمتلئ بالدروس العظيمة والفوائد الجليلة التي يتعلم منها الجميع: قادة وجنودًا، وأفرادًا وجماعات؛ خصوصًا مع ما تمر به الآن بلدنا الحبيبة "مصر" في تلك الفترة من تاريخها المعاصر من أحداث عصيبة تحتاج منا إلى التكاتف وتضافر الجهود، وتغليب صوت الحكمة والعقل، وإعلاء مصلحة الأمة والوطن على المصالح الشخصية والمكاسب الحزبية التي يُتصارع عليها، وتكاد تودي بأمن هذا البلد واستقراره!
وقد خلَّد الله -سبحانه- في كتابه الكريم هذه الواقعة العظيمة، وهذا الحدث الفارق في حياة الدعوة والأمة الإسلامية، فقال -عز وجل-: ( إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:41) .
ومن أهم ما يطالعنا في أحداث السيرة العظيمة من دروس وفوائد لها تعلق بواقعنا المعاصر:
- إدراك المعاني الشرعية والإيمانية مع إدراك الواقع والوعي به: وقد تمثَّل هذا واضحًا جليًّا في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وحياته عامة "وفي الهجرة خاصة"، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- على وعي ومعرفة بما هو مقبل عليه في سلمه وحربه، وجهاده ودعوته، وفي تقديره لإمكانات خصومه من حيث العدد والعدة, والظروف, ومدى طاقتهم وقدرتهم؛ حتى لا يبني خطته على معطيات خاطئة أو ناقصة فلا يتحقق مقصوده وهدفه.
وقد كان -صلى الله عليه وسلم- وهو بمكة يدعو إلى الله -تعالى- ويؤصِّل المعاني الشرعية والإيمانية - يعلم بملوك الأرض، ويعلم بالنجاشي ملك الحبشة وأنه ملك عادل لا يُظلم عنده أحد، وأشار على أصحابه بالهجرة إلى أرضه.
وفي واقعة الهجرة تجلت هذه المعاني كذلك "بصفة خاصة" لا ينتهي منها العجب من دقته -صلى الله عليه وسلم- ويقظته؛ سواء في اختيار الزمان المناسب وتحديد ساعة الصفر، أو المكان سيهاجر إليه، والذي سيختبئ فيه، واختيار الطريق الذي سيسلكه، والمعاونين له وشخصياتهم، ومدى كفاءتهم في إنجاز دورهم، والأسلوب والسرية والتمويه.... مما يدل على ما ينبغي أن تكون عليه الشخصية المسلمة التي تسعى إلى خدمة دين الله -تعالى- والتمكين له.
وكم يُفسِد مَن يسعى للتصدر والقيادة ويخبر عن نفسه أو غيره أنهم رجال المرحلة وحراس الدين، وهم لا يدرون ما تحت أقدامهم فضلاً عما ما يقع حولهم... !
- المفهوم الحقيقي للثبات والصمود: ( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (التوبة:41) ، ( وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ لَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ، مَا خَرَجْتُ ) (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، فخرج -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الحكمة والمصلحة الشرعية كانت في هذا الخروج والانسحاب من مكة، وكانت في هجرته -صلى الله عليه وسلم- من مكة لا في المعاندة والبقاء فيها والذي كان ربما أفضى إلى قتله والقضاء على دعوته؛ فليست الشجاعة والبطولة مرادفة للتهور والاندفاع وعدم تقدير عواقب الأمور؛ وإلا لَما اختبأ النبي -صلى الله عليه وسلم- في "الغار" وهو أشجع الناس، ولأن المواجهة لم تكن تحقق مقصودًا شرعيًّا.